تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 619

مساهمون:

ص٦١٩
والثالث : ذكر زلاتهم ليعلموا - أعني : الخلق - كيف عاملوا ربهم عند ارتكابهم الزلات والعثرات ؟ فيعاملون ربهم عند ارتكابهم ذلك على ما عامله الرسل بالبكاء والتضرع والفزع إليه والتوبة على ذلك ، والله أعلم . أو أن يكون ذكرها ؛ ليعلم أن ارتكاب الصغائر لا يزيل الولاية ولا يخرجه من الإيمان ، وذلك على الخوارج بقولهم : إن من ارتكب صغيرة أو كبيرة خرج من الإيمان . أو أن يكون ذلك ؛ ليعلم أن الصغيرة ليست بمغفورة ، ولكن له أن يعذب عليها ، وليس على ما قالت المعتزلة أن ليس لله أن يعذب أحدا على الصغيرة ، والله أعلم . وزلات الأنبياء - عليهم السلام - في قلوب الناس ، فخافوا عليها ، فلولا أنهم عرفوا أن لله أن يعذبهم عليها وإلا لم يخافوا منها كل ما ذكر منهم ، يذكر عن الحسن أن داود جزأ الدهر أجزاء : يوما لنسائه ، ويوما لعبادة ربه ، ويوما لقضاء بني إسرائيل ، ويوما لعباد بني إسرائيل : [ يذكرهم ] ويذكرونه ، ويبكيهم ويبكونه ، فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا : هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب به ذنبا ؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك ، قال : فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد ، فأكب على الزبور يقرؤها فابتلي بما ذكروا ، قال : ولذلك سمي : أوابا « 1 » ، والله أعلم . وابن عباس وهؤلاء قالوا : « إنه كان له تسع وتسعون امرأة ، فكان يكون عند كل امرأة يوما فإذا كان رأس المائة يفرغ للعبادة ، ففي ذلك اليوم أصابه ما أصابه » . وقال بعضهم « 2 » في قوله - عزّ وجل - :
وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ
أي : غالبني في الكلام ، أراد إذا تكلم أن يكون أبين مني ، وإذا دعا ودعوت كان أكثر مني أو ما قلت أن يكون أعرض ، على ما ذكرنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ
. أي : زلته التي كانت منه وعثرته ، وما يقول أهل التأويل : ربه أوحى إليه : أني قد غفرت لك ، لكن لا بد أن يتعلق بك أوريّا في رؤوس الخلائق ، ثم أستوهبك منه أو عوض كذا - فذلك مما لا نقول به ولا نعلم ذلك ، ولا يصح ذلك ، ولا يستقيم على ما ذكرنا نحن : أنه لم يكن منه أوريّا ما يلحقه ما يذكرون ، إنما أمره بمجاهدة أعداء الله وكان له أن يأمر ، إلا أنه عوتب ؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون بأدنى شيء كان منهم ، ويعيرون على ذلك ؛ لذلك كان ما ذكرنا ، وقد عرفنا أنه كان منه شيء عوتب عليه ، ثم
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 29855 ) ، وعبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور ( 5 / 566 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 29841 ) ، وهو قول الضحاك أيضا .