وقوله :
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
.
هذا ينقض على الباطنية قولهم حين قالوا : إن الرسل ليس إلا ستة لا يعدون يونس ولوطا - عليهم السلام - منهم فيخالفون ظاهر الآية ، وهو قوله - عزّ وجل - :
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
، وهم يقولون : ليس من المرسلين ، وبالله العصمة .
وقوله - عزّ وجل - :
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
.
ذكر هاهنا الإباق ، وفي سورة الأنبياء الذهاب ، وهو قوله :
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً
[ الأنبياء : 87 ] . فمن الناس من يجعل هذا غير الأول - يعني : إباقه الذي ذكر وذهابه - لكن جائز أن يكون ذكر الإباق وذكر الذهاب وإن كان في رأى العين في ظاهر اللفظ مختلفا فهما في المعنى واحد ، فيكون قوله - عزّ وجل - :
إِذْ أَبَقَ
من قومه بدينه ؛ ليسلم له ، أو أبق لخوف على نفسه من قومه ، أو أبق على ما أوعد قومه من نزول العذاب بهم إذا لم يؤمنوا به ، وكان الرسل - صلوات الله عليهم - يخرجون من بين أظهر قومهم إذا خافوا نزول العذاب بهم ، إلا أن يونس خرج من بينهم قبل أن يأتيه الإذن من الله - عزّ وجل - بالخروج من بينهم ؛ لذلك جاء العتاب له والتعيير ، لا لما يقوله عامة أهل التأويل من الخرافات التي يذكرونها وينسبون إليه ما لا يجوز نسبة ذلك إلى أجهل الناس بربه وأخسهم ، فضلا أن يجوز نسبة ذلك إلى نبي من أنبيائه ورسول من رسله .
وقوله - عزّ وجل - :
فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
.
ذكر في القصة أنه - عليه السلام - لما أبق إلى سفينة فركبها أراد أن يعبر البحر ، فجعلت تكفو وتقف وكادت أن تغرق ، فقال القوم بعضهم لبعض : إن فيكم لرجلا مذنبا [ ذنبا ] عظيما ، وكانوا يعرفون ذلك من عادتها من قبل كانت إذا ركبها مذنب تغرق وتتسرب في الماء ، فلم يعرفوا من هو ذلك ؟ فاستهموا مرارا فساهم يونس في كل مرة ، فلما رأى ذلك يونس - عليه السلام - قال لهم : يا قوم ألقوني في البحر حتى لا تغرقوا جميعا ، فأبوا وقالوا : لا نلقي نبيّا من أنبياء الله في البحر ، فألقى هو نفسه فيه ، فالتقمه الحوت على ما أخبر الله - عزّ وجل - حيث قال :
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ
.
ثم قوله :
فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
قال : فكان من المغلوبين في القرعة والاستهام ، أي : خرجت القرعة عليه ، و
الْمُدْحَضِينَ
: هو الذي لا حجة له فيما يريد ، والله أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ
.
قال بعضهم :
وَهُوَ مُلِيمٌ
أي : عجيب .