آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ
[ يونس : 98 ] أخبر هاهنا أنه لم ينفع قوما إيمانهم عند معاينتهم العذاب إلا قوم يونس ، وكذلك ذكر - عزّ وجل - في آية أخرى : أنه لم ينفع الإيمان عند معاينة العذاب حيث قال - عزّ وجل - في آية أخرى :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
[ غافر : 85 ] ثم لا يدرى أنه إنما يقبل إيمان قوم يونس ؛ لأنهم آمنوا عند خروج يونس - عليه السلام - من بين أظهرهم قبل أن يقبل العذاب عليهم ، لما كانوا يعلمون أن الرسول متى ما خرج من بينهم بعد ما أوعدهم بالعذاب أن العذاب ينزل بهم لا محالة ، فآمنوا به ، وإن لم يعاينوا .
أو أن يكون العذاب قد أقبل عليهم فعاينوه عند معاينتهم فعند ذلك آمنوا .
فإن كان الأول فهو بأنهم إنما آمنوا به عند خروجه منهم فهو مستقيم قبل إيمانهم ؛ لأنهم لم يؤمنوا عند معاينتهم العذاب ، ولكن إنما آمنوا قبل ذلك .
وإن كان الثاني ، فجائز أن يكون قبل إيمانهم ونفعهم إيمانهم وإن عاينوا العذاب ؛ لما عرف - جل وعلا - أن إيمانهم كان حقا وهم صادقون في ذلك محققون ، لم يكونوا دافعين العذاب عن أنفسهم إلا بإيمان حقيقة ، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 149 إلى 166 ]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ( 149 ) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ( 150 ) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 152 ) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ( 153 )
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 154 ) أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 155 ) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ( 156 ) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 157 ) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ( 158 )
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 159 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 160 ) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ( 161 ) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ( 162 ) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ ( 163 )
وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ( 165 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ( 166 )
وقوله :
فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ
.
الاستفتاء والسؤال يخرج على أربعة أوجه :
إن كان الاستفتاء والسؤال من عليم خبير لأهل الجهل يكون تقريرا وتنبيها إذا لم يكونوا أهل عناد ، وإذا كانوا أهل عناد فهو تسفيه وتوبيخ لهم .
وإذا كان الاستفتاء من جاهل مصدق طالب رشد لعليم خبير ، يكون استرشادا وطلب الصواب .
وإذا كان من معاند مكابر ، فهو يخرج على الاستهزاء به والسخرية ؛ كقولهم :
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
[ الأنفال : 32 ] إنما قالوا ذلك استهزاء به .
ثم ما ذكر من الاستفتاء لهؤلاء إنما يكون تسفيها منه لهم في قولهم : لله - عزّ وجل - ولد ، والملائكة بنات الله سبحانه ونحوه من الفرية العظيمة التي لا فرية أعظم منها ولا