تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
والأشبه أن تكون شجرة القرع ؛ لأنها أسرع الأشجار نبتا وامتدادا وارتفاعا في السماء في مدة لطيفة ووقت قريب ، والوصول إلى الانتفاع بها أكلا واستظلالا لها ما لا يكون مثل ذلك [ في ] مثل تلك المدة من الأشجار ، والله أعلم . وعلى ذلك روي أنه قيل : يا رسول ، إنك لتحب القرع ؟ قال : « أجل هي شجرة أخي يونس ، وهو تزيد في العقل » « 1 » فهذا يدل إن ثبت : أنها كانت شجرة القرع ، والله أعلم . ثم فيه لطف من الله - عزّ وجل - : حيث أنبت عليه شجرة في وقت لطيف ، لا ينبت مثلها إلا بعد مدة [ غير ] لطيفة ووقت مديد ، وأبقى عليه الضعف وقتا طويلا مما يرتفع ذلك ويزول في وقت يسير في العرف ؛ ليذكره ما أنعم عليه ويقوم بشكره ، وهو كما ذكر في قصة صاحب الحمار حيث قال - عزّ وجل - :
فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ
[ البقرة : 259 ] أبقى طعامه وشرابه وحفظه وقتا طويلا غير متغير مما طبعه التغير في وقت يسير وغير ما طبعه البقاء لطفا منه ، فعلى ذلك أنبت على يونس شجرة في وقت لطيف مما لا ينبت مثلها إلا في وقت طويل ، وأبقى ذلك الضعف الذي كان به والسقم مما سبيله الزوال والارتفاع في وقت يسير لطفا منه ؛ لتذكير ما ذكرنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
. هذا يحتمل وجوها : أحدها : ما ذكرنا أن حرف الاستفهام إذا أضيف إلى الله فهو على التقدير والإيجاب ليس على حقيقة الاستفهام ، فعلى ذلك حرف الشك : أي : مائة ألف بل يزيدون ، أو يقول : ويزيدون ؛ لما يتعالى عن الشك . والثاني : قوله :
أَوْ يَزِيدُونَ
حتى يزيدوا ؛ كقوله - عزّ وجل - :
تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ
[ الفتح : 16 ] ، أي : حتى يسلموا . أو كأنه وقت ما بعثه إليهم كانوا مائة ألف ، ثم ازدادوا بعد ذلك ، والله أعلم . والثالث : يزيدون مائة ألف أو يزيدون عند الناس ، فمعناه : أن من نظر إليهم لا يظن دون مائة ألف ، ولكن يظن مائة ألف وزيادة ، والله أعلم . قال - عزّ وجل - :
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
. قيل : آمنوا به فلم يهلكوا ، ولكن أخر عنهم إلى وقت موت حتفهم . وقال - عزّ وجل - في آية أخرى :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في الشعب ( 5947 ) عن عطاء مرسلا بلفظ : « عليكم بالقرع فإنه يزيد في العقل ويكبر الدماغ » .