فيه أن ما ذكر من العذاب للأتباع منهم لا للمتبوعين ، ولم يذكر عذاب المتبوعين في الآية حيث قال :
إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ . فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ
.
قال بعضهم « 1 » : يسرعون وهو شبه الهرولة ، والإهراع : هو الإسراع ؛ وهو قول القتبي وأبي عوسجة .
وقال بعضهم :
يُهْرَعُونَ
أي : يسعون ؛ وهما واحد .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ
.
يقول - والله أعلم - : ولقد ضل قبل قومك يا محمد من الأولين أكثرهم من الأمم الخالية من لدن آدم فهلم جرّا إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى آدم [ و ] من بينهما من النبيين .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ
.
أي : لقد أرسلنا في الذين ضلوا قبل قومك منذرين ينذرونهم ، ما من قوم إلا بعث إليهم نذير كما أرسلناك إلى قومك .
وقوله - عزّ وجل - :
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
.
يقول - والله أعلم - : انظر كيف صنعنا بمن أنذرنا بالعاقبة فلم يؤمن ولم يقبل ولم ينفعه النذارة .
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
.
استثنى المخلصين منهم ، وهم الذين نفعتهم النذارة وقبلوها ؛ فنجوا مما ذكر من عذابهم ، والله أعلم .
ويحتمل : أنه سماهم المخلصين ؛ لما اصطفاهم الله وأخلصهم لعبادته .
قوله تعالى :
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 75 إلى 82 ]
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ( 75 ) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 76 ) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ ( 77 ) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 78 ) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ( 79 )
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 80 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 81 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 82 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ . . .
الآية .
قال بعضهم « 2 » : حين دعا ربّه فقال - عليه السلام - :
أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ
[ القمر : 10 ] ، فكأنه إنما دعا ربه بالهلاك على قومه ، فأجاب الله دعاءه ، وهو ما قال - عزّ وجل - :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ . . .
[ القمر : 11 ] إلى آخر ما ذكر .
هامش
( 1 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 29413 ) وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 523 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وهو قول مجاهد والسدي أيضا .
( 2 ) انظر : تفسير البغوي ( 4 / 30 ) .