تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
والثالث : أنهم وإن ساروا في الأرض ونظروا في آثارهم لم ينفعهم ذلك ، والله أعلم . وقوله :
وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً
. أي : أنهم كانوا أكثر عددا وأشد قوة وبطشا منكم ، ثم لم يكن لهم دفع ما نزل بهم وحل ، فأنتم يا أهل مكة مع قلة عددكم وضعفكم لا تقدرون على دفع ذلك عن أنفسكم . وقوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
. الإعجاز في الشاهد يكون بوجهين : أحدهما : الامتناع ؛ يقول : لا يقدر أحد أن يمتنع عنه ومن عذابه . والثاني : القهر والغلبة ؛ يقول : لا يسبق منه بالقهر والغلبة ، بل هو القاهر والغالب على خلقه
إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً
. وقوله :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا
: من المعاصي والمساوي ،
ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ
، أي : على ظهر الأرض ، ووجهه : اكتفاء بما سبق من ذكر الأرض ، وهو قوله :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ فاطر : 41 ] . أو علم الناس وفهموا من ذكر الظهر : ظهر الأرض ؛ لما على ظهر الأرض يكتسب ما يكتسب . ثم قوله :
ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ
قال بعضهم : المراد بالدابة : الممتحنون المميزون وهم بنو آدم خاصة ؛ لأنهم أهل اكتساب واجتراح ؛ إذ قد ذكر الإهلاك بما يكتسبون ، وهم أهل الاكتساب دون غيرهم من الدواب . وقال بعضهم : كل دابة من البشر وغيره ؛ لأن غيره من الدواب إنما أنشئت للبشر ولحوائجهم لا لحاجة أنفسها أو لمنفعة لها حيث قال :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] ، وقوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
[ الجاثية : 13 ] ، فإذا كان غيرهم من الأشياء منشأة لهم ، فإذا أهلكوا هم أهلك ما كان منشأ لحوائجهم ولمنافعهم ، ولا يكون إهلاك ما ذكرنا من الدواب خروجا عن الحكمة [ على ] ما يقول الثنوية ؛ إذ ليس من فعل الحكيم الأمر بذبح أسلم الدواب والانتفاع بلحمها . قيل : هكذا إذا كانت تلك منشأة لأنفسها ولمنافعها ، فأما إذا كان ما ذكرنا أنها منشأة لنا ولمنافعنا فجائز الانتفاع بها مرة بعينها ومرة بلحمها ، ولا يكون فعل ذلك ولا الأمر به غير حكمة . ثم الفرق بين إباحة الانتفاع بلحم أسلم الدواب وحظر لحم الضارة منها والمضرة ؛
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 500 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم