وقوله :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
.
هو قسمهم بالله ، ومعناه - والله أعلم - : أن العرب كانت من عادتهم أنهم كانوا يحلفون بالآباء والطواغيت ، لا يحلفون بالله إلا فيما عظم أمره ، وجل قدره ؛ تأكيدا لذلك الأمر ؛ لذلك كان قسمهم بالله جهد أيمانهم ، وقد ذكرنا معنى جهد الأيمان فيما تقدم .
وقوله :
لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ
قيل : رسول
لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
.
فيه دلالة : أنهم قد وقعت لهم الحاجة ، ومستهم الضرورة إلى رسول يبين لهم أمر الدين ومصالحهم ، وما لهم ، وما عليهم ، حيث أقسموا وعهدوا أنه لو جاءهم نذير لاتبعوه واقتدوا به ، ثم تركهم لذلك العهد ؛ لما لم يروه أهلا لذلك ؛ لما كان هو دونهم في أمر الدنيا ؛ استكبارا منهم عليه ؛ ولذلك قالوا :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] وإن تركوا أتباعهم نقضوا عهدهم لما رأوا مذاهب الناس مختلفة ، فظنوا أن الاختلاف يرفع من بينهم به ، فإن لم يرتفع تركوا اتباعه ، أو لمعنى آخر لا نعلمه ، والله أعلم .
وقوله :
لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
.
قال بعضهم : يعنون : اليهود والنصارى .
وجائز أن يكونوا أرادوا بذلك الأمم جميعا ، لكنهم لم يروا الحق إلا لواحدة منها ، فقالوا :
لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
، والله أعلم .
وقوله :
فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً
: استكبارا في الأرض لما ذكرنا .
وقوله :
وَمَكْرَ السَّيِّئِ
.
يحتمل مكرهم : ما مكروا هم برسول الله من أنواع المكر حين هموا بقتله وإخراجه ؛ كقوله :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ . . .
الآية [ الأنفال : 30 ] .
ويحتمل أيضا أنه لما خرج ودعا الناس إلى توحيد الله ، أقعدوا على الطرق والمراصد ناسا يقولون لمن قصد رسول الله : إنه ساحر ، وإنه كذاب ، وإنه مجنون ؛ يصدون الناس بذلك عنه ، فذلك كيدهم ومكرهم به ، وقد كان منهم برسول الله من أنواع المكر سوى ذلك مما لا يحصى .
وقوله :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
.
هو في الدنيا من أنواع العذاب والقتل الذي نزل بهم ، ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة ، والله أعلم .