تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
الذي وصفهم والرتبة التي ذكر ، وهو قوله :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ
الآية : أن واحدا منهم إذا كفر يضاعف له العذاب ؛ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند الله ، وعلى قدر نعم الله عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك ، وهو كما قال لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ
[ الإسراء : 74 ، 75 ] أي : ضعف عذاب الحياة ، وضعف عذاب الممات ، وما ذكر - أيضا - لأزواجه حيث قال :
يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ
[ الأحزاب : 30 ] ، كل من كان أعظم قدرا وأكثر نعما عليه ، فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة ، فيكون ضعف غيره وجزاء مثله . والثاني : أن يكون ذلك للأئمة - أعني : الكفرة والرؤساء - دون الأتباع ؛ لأنهم عملوا هم بأنفسهم ودعوا غيرهم إلى ذلك ؛ كقوله :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
[ العنكبوت : 13 ] . أو أن يكون ذلك لهم العناد الذي كان منهم والمكابرة . ثم استثنى من تاب منهم ، فقال :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً . . .
الآية ، في الذين قال :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
، فكان فيه دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام ؛ حيث استثنى من تاب منهم . وقوله :
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
: هذا يحتمل وجهين : أحدهما : يوفقهم الله إذا تابوا وندموا على ما فعلوا من السيئات في الدنيا ؛ حتى يعملوا مكان كل سيئة عملوها حسنة ؛ فذلك معنى تبديل الله سيئاتهم حسنات ، أي : يوفقهم على ذلك . والثاني : يبدل الله سيئاتهم حسنات في الآخرة ؛ لما كان منهم الندامة والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا ، وعلى ذلك روي عن أبي هريرة قال : « ليأتين أقوام يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات ، فقيل له : يا أبا هريرة ، ومن هم ؟ قال : هم الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات » « 1 » ؛ وكأنه روي مثله عن عبد الله بن مسعود . وقوله :
وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً
لا يرجع عنها أبدا ، وعلى ذلك يخرج قوله :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
[ الأنفال : 65 ] على الأمر ؛ دليله قوله حيث قال :
خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ
الآية [ الأنفال : 66 ] . والثاني : أن يكون ذلك لقوم خاص ، علم الله أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون عنها أبدا ،
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور ( 5 / 146 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 45 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم