تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
والطير والتسبيح معه ، وإلانة الحديد له بلا نار ولا شيء ؛ حتى اتخذ منه ما شاء أن يتخذ من الدروع وآلات الحروب ، وقد أتى الله داود من الفضل ما لو تكلفنا عدّه وإحصاءه ما قدرنا عليه . وقوله :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ
. قيل « 1 » : سبحي معه . وقوله :
وَالطَّيْرَ
. من نصب الطير جعلها مسخرة له ؛ كأنه قال : سخرنا له الطير . ومن رفعها جعله على النداء : يا طير أوبي معه ، أي : سبحي معه . ثم اختلف في تسبيح الجبال والطير . قال بعضهم : تسبيح خلقة لا تسبيح قول ونطق ؛ لما جعل في خلقة كل شيء الشهادة له بالوحدانية والألوهية ، لكن ذكر هاهنا : أن سبحي معه ، ولو كان تسبيح خلقة لم يكن لذكر التسبيح مع داود فائدة ؛ لأن تسبيح الخلقة يكون كان معه داود أو لم يكن ؛ ولكن جائز أن يجعل الله - تعالى - في سرّية الجبال من التسبيح ما يفهم منها داود ، ولم يفهم غيره ؛ على ما ذكرنا في قول النملة لسائر النمل ؛ حيث قال :
قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ . . .
الآية [ النمل : 18 ] : جعل الله - تعالى - في سرية النمل معنى ألقى ذلك في مسامع سليمان ؛ ففهم منها ذلك ، ولم يلق ذلك في مسامع غيره من الجنود ؛ فعلى ذلك تسبيح الجبال والطير ، والله أعلم . وقوله :
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
. جعل له آية لنبوته ؛ لما ألان له الحديد بلا نار ولا سبب يلينه ؛ حتى كان يعمل منه ما شاء ، ولم يجعل في وسع أحد من الخلائق سواه استعمال الحديد إلا بالنار وأسباب أخر ؛ ليكون له في ذلك آية . وقوله :
أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ
. كأنه قال :
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
، وقلنا له :
أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ
. قال بعضهم « 2 » : السابغات : هي الدروع . وقال بعضهم « 3 » : هي الواسعات .
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 28719 ، 28720 ) وابن أبي شيبة في المصنف كما في الدر المنثور ( 5 / 426 ) ، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك ، وغيرهم . ( 2 ) قاله قتادة وابن زيد أخرجه ابن جرير عنهما ( 28731 - 28732 ) . ( 3 ) انظر : تفسير البغوي ( 3 / 550 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 430 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم