أي : عذابا من السماء ؛ كما أنزل على من كان قبلهم بالتكذيب والعناد ، يذكر هذا على أثر قولهم :
أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ
، أي : لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ؛ لعرفوا أنه رسول الله ، وأنه صادق ، وأن ما يقول : إنه بعث بعد الموت ، وإن العذاب ينزل - يقوله لا عن جنون ، ولكن عن علم وعقل ومعرفة ؛ لأن من قدر على إنشاء السماء على ما أنشأ من سعتها وغلظها وشدتها ، وكذلك الأرض ، قدر على البعث وخسف من يشاء أن يخسف ؛ وإسقاط السماء على من يشاء أن يسقط .
أو يقول : لو نظروا ، لعرفوا أنه لم ينشئ ما ذكر من السماء والأرض عبثا باطلا ؛ ولكن أنشأهما على الحكمة ، وإنما يصير إنشاؤهما حكمة بالبعث والإحياء بعد الموت ومصيرهم إليه ، وأما للفناء خاصة فلا يكون حكمة ، والله أعلم ما أراد بذلك .
وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
.
المنيب ، قيل : هو المطيع لله ، وقيل « 1 » : هو المقبل على أمر الله .
والمنيب كأنه هو المؤمن ؛ لأنه هو المصدق بالآيات ، فإذا كان المؤمن هو المصدق بالآيات ، فيكون هو المنتفع بها ؛ فيكون الآية [ له ] . وأما المكذب بها فلا ينتفع بها ؛ فلا يكون الآية له في الحقيقة .
قوله تعالى :
[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 10 إلى 14 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 )
وقوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا
.
أي : علما ، كقوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً
[ النمل : 15 ] .
وقال بعضهم :
فَضْلًا
، أي : نبوة .
وقال بعضهم : الفضل : هو الملك الذي آتاه الله .
وجائز أن يكون ما ذكر من الفضل أنه آتاه - هو ما ذكر على أثره من تسخير الجبال
هامش
( 1 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير عنه ( 28718 ) .