تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
وهو ما علم أنهم يختارون الردّ والتكذيب . وقوله :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
. في هذه الآية دلالة : أنه عصم ملائكته عن عمد ما يستوجبون به جهنم بعد قوله :
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ
[ الأنبياء : 29 ] : خص الإنسان والجن فيما يملأ بهما جهنم . فإن قيل : إنه قال في آية أخرى :
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً
[ المدثر : 31 ] . قيل : هم أصحاب النار في تعذيب غيرهم ، وليسوا هم بأصحابها فيما ينتهي إليهم العذاب ، ولله أن يجعل ويمتحن من يشاء على تعذيب من شاء ، والله أعلم . وقوله :
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
. النسيان الذي ذكر منهم ليس هو نسيان غفلة وسهو ؛ لأنه لا كلفة تلزم في حال السهو والغفلة . ثم هو يخرج على وجوه : أحدها : تضييع وترك تصديق الرسل بما أوعدوهم به ، وتكذيبهم ورد الحجج والآيات لذلك . والثاني :
نَسِيتُمْ
، أي : جعلتم ذلك كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه . والثالث :
إِنَّا نَسِيناكُمْ
، أي : نجزيكم جزاء نسيانكم وترككم ، أي : يجعلكم كالمنسي عن رحمته وفضله لا يكترث ولا يعبأ بكم ؛ كما جعلتم أنتم آياته وحججه وما دعاكم إليه كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه . والرابع : وتضييعكم ، ويجوز تسمية الجزاء باسم أصله وأوله ، وإن لم يكن الثاني في الحقيقة سيئة ولا اعتداء ؛ فعلى ذلك الأول ، والله أعلم . وقوله :
وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
. أي : ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون وتعتقدون المذهب للخلود والأبد ؛ لأن كل ذي مذهب ودين إنما يعتقد المذهب ويختاره للأبد ؛ فعلى ذلك جعل تعذيبهم في النار للأبد ، وأما من يرتكب المآثم والزلات من المؤمنين ، فإنما يرتكب عند شدة الحاجة وغلبة الشهوة في وقت ارتكابه لا للأبد ؛ لذلك افترقا . قوله تعالى :

[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 15 إلى 22 ]

إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 ) أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ( 18 ) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 ) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 )