جديدا ؟ وعلى الإيجاب والتحقيق : إنا نبعث لا محالة ؛ فلا يلحقهم بذلك لائمة ولا تعيير لو كان على ظاهر المخرج منهم ، لكنهم إنما قالوا ذلك ؛ استهزاء وإنكارا للبعث ؛ دليله ما قال على أثره :
بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ
؛ وإلا ظاهر ذلك القول منهم على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما : استفهاما ، أو إيجابا ، وهو ما أخبر عن المنافقين ؛ حيث قال :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
[ المنافقون : 1 ] : هذا القول منهم حق وصدق ، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك لم ينفع ذلك لهم ؛ حيث قال :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
؛ فعلى ذلك القول منهم في الظاهر ما ذكرنا ، لكنهم إنما قالوا ذلك ؛ استهزاء وإنكارا للبعث وجحودا .
وقوله :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
.
هذا الحرف في الظاهر ليس هو بصلة للأول ؛ لأنه إنما يقال عن سؤال سابق في توفي الخلق وقبض أرواحهم : أنه من ؟ فيقال عند ذلك : يتوفاكم ذلك ملك الموت .
وجائز أن يكون على الصلة بالأول ؛ لأنهم أنكروا البعث وإحياءه إياهم من التراب ؛ لما لا يرون لله القدرة على ذلك ؛ فيذكر أنه مكن وأقدر عبدا من عبيده على قبض أرواح جميع الخلائق من المشرق إلى المغرب ، من غير أن يعلمه أحد أن كيف يقبض ؟ وكيف يمكن له ذلك ؟ فيخبر أن من قدر على هذا يقدر على إحياء الخلق بعد ما صاروا ترابا ورمادا بل قادر على ما شاء ، كيف شاء ، متى شاء ، لا يعجزه شيء ، ولا يخفى عليه شيء .
ثم قوله :
يَتَوَفَّاكُمْ
يحتمل من توفى العدد : يجعلهم وفاء لعدّها ؛ كقوله :
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
[ مريم : 84 ] .
وجائز أن يكون التوفي من الاستيفاء ووفاء التمام ، أي : يستوفى الروح كله ؛ حتى لا يبقى في الجسد منه شيء .
ثم في الآية دلالة خلق أفعال العباد ؛ لأنه أخبر أن ملك الموت يتوفاهم ويميتهم ، وقد أخبر أنه خلق الموت والحياة ؛ فدل أن جميع ما يفعل العباد هو خلق .
وقال القتبي : « 1 »
ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
، أي : بطلنا وصرنا ترابا .
وقال غيره : هلكنا .
وقال أبو عوسجة :
ضَلَلْنا
بالضاد : إذا صرنا في القبور وبلينا فيها . ويقال : ضللنا بالكسر من الضلال ، ويقال : ضللت شيء كذا وكذا : إذا لم تدر أين ذهب ؟ ويقال :
هامش
( 1 ) انظر : تفسير غريب القرآن ص ( 346 ) .