تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
وقال بعضهم : لا ، ولكن ذلك إخبار عن سرعة نفاذ الأمر ، وعبارة عن خفة ذلك وهونه ؛ كقوله :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
[ النحل : 77 ] وقوله :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ النحل : 40 ] ليس أن كان منه ( كاف ) أو ( نون ) ، لكنه ذكر بأخف حروف يفهم منه المعنى فعلى ذلك ذكر الصيحة والنفخة والدعوة والصور ، والله أعلم . وفي قوله :
ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
دلالة وإخبار أنه قادر على الإنشاء والإحياء بلا سبب ؛ لأنه أخبر أنه دعاكم دعوة ثم تخرجون ، والدعوة ليست هي سببا للإحياء والإنشاء بل أخبر أنه يخرجهم إخراجا ثبت أنه ما ذكرنا ، وقد ذكرنا في اختلاف الألسن لو لم يكن ما يسمع منهم وما ينطقون يخلق في الحقيقة فإذن آياته عبث ؛ لأن الحروف شهد خلقه ، ولا جسمه ، ولا سمعه ، وبما احتج ، فيكون بمعنى من يقول : لله آيات في الكلام احتج بها على عبادة الذين لم يطلعهم عليه ، فيكون بمعنى من يقول : لله آيات في الكلام احتج بها على عبادة الذين لم يطلعهم عليه ، ولا سبيل لهم إلى التطلع عليها ، وذلك بعيد من العقول ، فثبت أن الله قد خلق كل نطق على ما عليه يعرفه المتفكر بما يرى من عجز المتفوه به على التفوه به على التقطيع الذي يقدره في نفسه ، وعلى الحدّ الذي يجب أن يكون عليه دون أن يقع في ذلك تفاوت واختلاف فيعلم أن ذلك كان الآية على ما كان عليه ؛ بل بالله جل وعلا ، ولا قوة إلا بالله . وما ذكر من اختلاف فإنا نجده يتغير بالعباد ؛ نحو ما يظهر عند شدّة السّرور بالشيء غير الذي يظهر عند شدة الغضب متولدا عن فعلهم وبه قول المعتزلة أو عامتهم أن المتولد هو فعل الخلق ، فعلى ذلك القول يكون اللون فعلا لهم بتخليق الله ، وأمّا النوم في اللون فوضع ، فالاعتبار إنما هو بابتغائهم من فضله ؛ أي : ذلك بما ركب فيهم من الحاجة وأنشأ لهم من الفاقة فيما ذكر من الأغذية بأن ابتغاءها فعلا للخلق ، وقد احتج الله - سبحانه وتعالى - على العباد ، فأخبر أنه من آياته ، ومحال أن يكون حجته ما يخلق غيره دون الذي يخلقه بل يدل خلق كل على منشئه من طريق الخلقة والتدبير ، فثبت أن الابتغاء مخلوق يخلقه ، والله الموفق . قوله تعالى :

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 26 إلى 32 ]

وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 26 ) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 ) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 29 ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 ) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 32 )