تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وقوله :
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
حرف « من » إنما يتكلم به ويعبّر عمّن له الملك والتدبير والتمييز ، وحرف « ما » عن ملك الأشياء نفسها ، فإذا كان من له الملك في الشيء والتدبير والأمر له فالأملاك أحق أن تكون له . يخبر - والله أعلم - عن غناه وسلطانه وقدرته ، أي : من له ما ذكر في السماوات والأرض لا يحتمل أن يمتحنهم ويأمرهم بأنواع العبادات والطاعة لحاجة نفسه ؛ إذ هو غني عن ذلك ، ولكنه إنما يمتحن ويأمرهم بأنواع العبادة وأنواع المحن لمنافع أنفسهم وحاجاتهم ومصالحهم ، فإذا كان له ما ذكر من الملك لا يحتمل أن يعجزه شيء أيضا . وقوله :
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
قال بعضهم : القنوت : القيام ، والقانت : القائم ، فإن كان هذا فتأويله :
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
أي : قائم بتدبيره وأمره في الوجود والعدم ، والابتداء والإعادة ، وفي كل حال : إن أوجد وجد ، وإن أعدم صار معدوما ، وإن أحياه حيي ، ونحوه ، في كل حال يقوم بتدبيره وأمره . وقال بعضهم « 1 » :
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
أي : مطيعون ، فإن كان على هذا ونحوه فهو في كل حال يقوم بتدبيره وأمره . وقال بعضهم : « 2 »
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
أي : مطيعون ، فإن كان على هذا فهو على طاعة الخلقة له ، والشهادة لله بالوحدانية والربوبية ، والتدبير له ، والعلم في ذلك ؛ لأن الله جعل في خلقة كل أحد ، وكل شيء ، وفي صورته ما يشهد له بالوحدانية والربوبية ، ويدل على تدبيره وعلمه وحكمته ، فكل له قانت ومطيع بالخلقة والصنعة . وقال بعضهم :
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
أي : خاضعون ، فهو يرجع إلى حال دون حال ، وهو حال الخوف والضرورة ، يخضع له كل كافر ومشرك في تلك الحال ، وهو ما أخبر عنهم من الخضوع له إذا ركبوا الفلك ؛ حيث قال :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ يونس : 22 ] وقولهم :
لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
[ يونس : 22 ] ونحو ذلك من الأحوال التي كانوا يخضعون له ويطيعون ، والله أعلم . وقوله :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
لا يحتمل أن يخلقهم وينشئهم لحاجة نفسه ، أو لمصلحته ؛ لأنه غني بذاته ، أو يمتحنهم لمنفعة نفسه ، أو يأمره لذلك ، ولكن
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير عنه ( 27936 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 27935 ) .