تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
أحدها : أن كل موصوف بالعلو والرفعة من دونه فهو الموصوف به في الحقيقة ؛ على ما ذكرنا أن كل من حمد دونه ؛ فذلك الحمد له في الحقيقة راجع إليه ، ذلك كقوله :
لَهُ الْحَمْدُ . . .
الآية [ القصص : 70 ] . والثاني : له الصفة العالية مما يخالف صفات الخلق وشبههم كقوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] : لا تشبه صفاته صفات المخلوقين ، ولا اشتبهت صفات الخلق صفاته ، وهو ما قاله بعض أهل التأويل : الذي لا مثل له ولا شبه ، لا إله إلا هو ، واحد لا شريك له . والثالث : وله الصفات العالية مما لا يضاد بعضها بعضا : عالم لا جهل فيه ، قادر لا عجز فيه ، عزيز لا ذل فيه ، وأمثال ذلك مما لا يدخل في ذلك نقصان أو عيب بوجه من الوجوه ، ليس كالخلق أنهم يوصفون بالعلم بجهة وبشيء وبالجهل بجهة أخرى وبشيء آخر وبالقدرة بجهة أخرى وبشيء آخر ، وبالعجز بجهة أخرى وبشيء آخر ، وبالعز بجهة أخرى وبشيء آخر ، وبالذل بجهة أخرى وبشيء آخر . فالله - سبحانه وتعالى - موصوف بصفات لا يضاد بعضها بعضا ولا يدخل في ذلك نقصان بجهة من الجهات ، وفي حال من الأحوال ؛ لأنه بذاته موصوف بذلك لا بغيره ولا بسبب ، وأما غيره فإنما يوصفون بذلك بأسباب وباعتبار يكون لهم ؛ لذلك كان ما ذكر ، ولا قوة إلا بالله . وقوله :
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
: الذي لا يلحقه الذل والضرر بمخالفة خلقه إياه وعصيانهم له ، ليس كملوك الأرض إذا خالفهم أتباعهم وحواشيهم ورعيتهم يذلون ويلحقهم الضرر بإعراضهم عنهم ؛ لأن عزهم كان بهم ، فبإعراضهم عنهم ومخالفتهم إياهم يذلون ، فأما الله - سبحانه - [ فهو ] عزيز بذاته ، لا يلحقه الضرر والذل بمخالفة الخلق إياه . أو أن يكون قوله :
الْعَزِيزُ
المنتقم عمن يخالف أمره ويعصيه أو يشرك غيره في ألوهيته وربوبيته . والحكيم : هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير . يخبر - والله أعلم - : أني وإن خلقتهم وأنشأتهم على علم مني أنهم يخالفونني ويعصونني ، وأعنتهم بكل أنواع المعونة ، على علم مني بذلك منهم ؛ فإن فعله ليس بخارج عن الحكمة كما يكون في الشاهد أن من أعان عدوه بأنواع المعونة ، وهو يعلم أن معونته إياه تزيد له قوة في معاداته وعصيانه ومخالفته - هو موصوف بالسفه غير موصوف