تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وقوله :
وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ
كأنه يقول : وفي خلق اختلاف ألسنتكم آياته أيضا ؛ لأن الألسن بحيث خلقة الألسن غير مختلفة ، ولكن إنما تختلف بحيث النطق والتكلم حتى لا يقع في التكلم بها والنطق والصوت تشابه بحال ، وخروجه عما يقدرون من الكلام ، وإن كانت بحيث خلقتها واحدة غير مختلفة . وهذا على المعتزلة ؛ لقولهم : إن أقوال العباد غير مخلوقة ، لا صنع لله فيها ، فلو لم يكن له فيما يتكلمون وينطقون على اختلاف ذلك صنع ؛ فلا آية تكون له في ذلك ، فدل أنه صار آية له ؛ لما له صنع في ذلك ، وكذلك فيما تختلف الألوان بفعل يكون من الخلق وتتغير عند الغضب والسرور والفرح ، ثم أخبر أن ذلك آياته دل أنه خالق لأفعالهم وأقوالهم حتى كان آية له والله أعلم . وأهل التأويل يقولون :
وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ
: عربيّ ، وعجميّ ، ونبطي ، وتركي ، ونحوه
وَأَلْوانِكُمْ
: أبيض ، وأحمر ، وأسود ، ونحوه ، وأصله ما ذكرنا أن في ذلك لآيات للعالمين ؛ جائز أن يكون آيات لمن انتفع به من العالمين ، أو آية لمن تفكر وتدبّر من العالمين ؛ لأنه إذا تفكر وتدبّر عرف وجه الآية في ذلك . وقوله :
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
لأن النوم يأخذهم من غير أن يعرفوا أنه من أين مأتاه ومأخذه ، ثم يأخذ منهم جميع منافع الأحياء : من السمع ، والنطق ، والفهم ، والرؤية ، وجميع ما تنتفع به قبل ذلك ، ثم يردّ ذلك إليهم من غير أن عرفوا بذلك فيعودون إلى ما كانوا من المنافع والأكساب ؛ ليعلم أن من قدر على مثل هذا يقدر على أخذ الروح ونفسه وردّه إليه ، فهو أخو الموت ؛ قال الله - تعالى - :
يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ
[ الأنعام : 60 ] سمّى النوم : الوفاة ، وهو مثله ؛ لما ذكرنا أن جميع منافع الأحياء ترتفع وتزول بالنوم ثم ترد إليهم من غير أن يشعروا بذلك ، فمن قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت . وقوله :
وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ
جهة الآية فيما ينتفعون من فضله هو خلقه تلك المكاسب والتجارات والحرف التي يبتغون بها الرزق ؛ أخبر أنه خلق ذلك منهم ؛ ففيه دلالة خلق أفعال العباد ؛ فهو على المعتزلة ؛ لإنكارهم خلق أفعالهم . أو أن تكون جهة الآية فيه ما عرفهم تلك المكاسب والتجارات والحرف ، وعلمهم إياها وأحوجهم إليها ؛ ليصلوا إلى منافعهم ، والله أعلم . وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
يحتمل قوله :
لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
أي : ينتفعون بسمعهم ، أو لقوم يجيبون .