تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
القريات اللاتي هن حول مكة ، لا يهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا . قيل : في أعظمها - وهي مكة - رسولا
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا
، فإن كان هذا ؛ فيكون الإهلاك لها الانتزاع من أيديهم ، وجعلها في أيدي أهل الإسلام على ما كان ؛ لأن الله كان يفتح على رسوله قرية فقرية وبلدة فبلدة ، حتى جعل الكل في أيدي المسلمين ، وهو ما قال :
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ
[ الرعد : 31 ] وهو وعد فتح مكة ، وذلك إهلاكهم . والثاني : جائز أن يكون هذا في كل القرى وجميع الرسل : أنه كان لا يهلكها بالكفر نفسه ، حتى يبعث في أكبرها وأعظمها - وهي المصر - رسولا يتلو عليهم آياته ، وذلك يشبه قوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] . وإنما ذكر بعث الرسول في أمها ؛ لأنه إذا بعث الرسول في أعظمها - وهو المصر - ينتشر وينتهي إلى الآفاق والصغائر منها والقرى ؛ لما أنهم يدخلون المصر لحوائجهم ؛ فيتهيأ للرسول تلاوة الآيات عليهم والدعاء لهم ، وإذا كان في بعض القرى لا يتهيأ لهم ذلك ، والله أعلم . وقوله :
وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
أي : معاندون مكابرون ، لا نهلكهم إهلاك تعذيب بنفس الكفر في الدنيا ، حتى يكون منهم العناد والمكابرة ، إنما يعذبون عذاب الكفر في الآخرة وهو عذاب الأبد . وقوله :
وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى
: إنهم كانوا يتفاخرون بما أوتوا من السعة ومتاع الحياة الدنيا ، وأهل الزهد والتقوى آثروا الباقي الموعود في الآخرة على متاع الحياة الدنيا وزينتها ؛ ولذلك قال :
أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا
، فجواب هذا أن يقال : بل الموعود الحسن الملاقى بالذي له عاقبة خير من المتاع الفاني الذي ليست له عاقبة ، لكنه لم يذكر له جوابا ، فجوابه ما ذكرنا . ثم كل استفهام كان من الله فهو على الإيجاب في الحقيقة ليس على الاستفهام . وقوله :
ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
أي : يحضرون في النار . وقيل « 1 » : من المحضرين ، أي المعذبين ، وكلاهما واحد .
هامش
( 1 ) قاله قتادة بنحوه ، أخرجه ابن جرير ( 27542 ) ، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 5 / 155 ) .