ولو كان بيانا على ما يقولون لكان رسول الله يقدر أن يبين له وقد بين .
لكن الجبائي يحتج لهم فيتأول ويقول : إن رسول الله كان يحرص أن يدخله الجنة فيقول : إنك لا تهدي طريق الجنة له حتى يدخلها ، أو كلام يشبه هذا ، وذلك بعيد .
وقال جعفر بن حرب : هذا ليس في ابتداء الهداية ، ولكن في اللطائف التي تخرج مخرج الثواب لهم لما كان منهم من الاهتداء في البداء والأنف ؛ كقوله :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً . . .
الآية [ محمد : 17 ] ، فيخبر أنك لا تملك الهداية اللطيفة التي تخرج مخرج الثواب أن تهديهم .
فيقال له : أخبرنا عن تلك الزيادة التي تخرج مخرج الثواب لهم لما كان منهم من الاهتداء في الابتداء تنفع لهم دون الابتداء .
فإن قالوا : نعم .
فيقال لهم : فذلك عليه أن يفعل بهم ؛ إذ من قولهم : إن عليه أن يعطي كل كافر ما ينفعه ويصلح له في دينه ، فكيف منع ذلك وهو ينفعهم ؟ !
والثاني : يقال لهم : إن تلك الزيادة التي تخرج مخرج الثواب لهم واللطائف على ما كان منهم في الابتداء يستوجبها أو لا يستوجبها ، فإن كان يستوجبها فلا معنى للمنع على قولهم ؛ لأنهم يقولون : إن على الله أن يعطي ذلك ، وإن كان لا يستوجبها ، فلا معنى لقوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
على قولهم ؛ فيبطل الاحتجاج به على قولهم .
وعندنا زيادة الهداية وابتداؤها سواء ، وهو على ما أخبر رسوله أنه لا يهديه ، ولكن لو كان الهداية بيانا - على ما قالوا - لكان قد بين لهم ؛ فدل ذلك منه أن ثم هداية سوى البيان عند الله إذا أعطاها العبد يصير بها مؤمنا ، وهي التوفيق والعصمة والسداد ، وذلك لا يملك رسول الله إنشاء ذلك وابتداعه ، بل الله هو المالك بذلك .
قوله تعالى :
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 57 إلى 61 ]
وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 ) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 ) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 61 )
وقوله :
وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا
: دل قولهم :
إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى