تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وخطبته يومئذ حيث قال :
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ . . .
الآية [ إبراهيم : 22 ] ؛ فعلى ذلك هؤلاء يقولون : لم يكن منا إليهم سوى الدعاء بلا برهان ولا حجة فاتبعونا ؛ فلا تلومونا ولوموا أنفسكم ؛ حيث تركتم إجابة الرسل ومعهم براهين وحجج ، وأجبتمونا بلا حجة ولا برهان ، فأغويناكم كما غوينا ، ولو كنا على الهدى لهديناكم ، كقولهم :
لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ
[ إبراهيم : 21 ] . وقوله :
تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ
: إنما يتبرءون أنا لم نأمرهم بالعبادة لنا ، وإلا كانوا عبدوهم . ثم إن للمعتزلة أدنى تعلق بهذه الآية ؛ لأنهم يقولون : إنما أضافوا الغواية إلى أنفسهم حيث قالوا :
أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا
؛ دل أن الله لا يغوي أحدا . فيقال لهم : إنا لا نضيف ولا نجيز إضافة الغواية إلى الله فيما يخرج مخرج الذم له ، وإنما نضيف فيما يخرج مخرج المدح له والثناء عليه ، ثم قد أضاف إبليس الغواية إليه ، ولم ينكر عليه حيث قال :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
[ الحجر : 39 ] في غير موضع وقال :
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ
[ الرعد : 27 ] ، ونحوه كثير في القرآن ، فما خرج مخرج المدح له والثناء عليه يضاف إليه ، وما خرج مخرج الذم له فلا ، وقد ذكرنا هذا في غير موضع ، والله أعلم . وقوله :
حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
يوم قال لإبليس :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 85 ] ، ثم قالت الشياطين في الآخرة :
رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا
يعنون : كفار بني آدم ، هؤلاء الذين أضللناهم عن الهدى كما ضللنا تبرأنا إليك منهم يا رب
ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ
، فتبرأت الشياطين ممن كان يعبدها ، فقالوا : لم نأمرهم بعبادتنا ، وقيل لكفار بني آدم :
ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ
يقول : سلوا الآلهة التي سميتموها : آلهة أهم آلهة ؟
فَدَعَوْهُمْ
أي : سألوهم ، فلم تجبهم الآلهة بأنها آلهة . وقوله :
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
في الدنيا ، أي : معي شركاء على ما ذكرنا من قبل ، والله أعلم . وقوله :
وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ
يحتمل شركاءكم في الخلقة ، أو شركاءكم في العبادة ادعوهم ؛ ليشفعوا لكم ويقربوكم إلى الله على ما زعمتم في الدنيا ،
فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ
، أي : لم يشفعوا لهم ولم يستجيبوا لهم ؛ لما لم يجعل في وسعهم الإجابة لهم واجبا كائنا في الآخرة . وقوله :
وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ
: تأويله ، أي : لو رأوا العذاب في الدنيا لكانوا يهتدون ، ولكن لم يروه ؛ هذا وجه .