لكان أولئك لم يكونوا ظلمة في قتله ، بل يكون هو الظالم فيه .
ولا يحتمل أن يكون القصاص واجبا - أيضا - وموسى يفر من ذلك ويهرب وفي ذلك إبطال حقهم دل أنه لم يجب .
ولا شك أن وكزة من له قوة أربعين رجلا إلى الهلاك أسرع وأقرب وأعمل من الضرب بالحجر العظيم أو الخشبة العظيمة ، فإذا لم يجب في هذا لم يجب في ذاك ، والله أعلم .
وقوله :
رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
: قال بعضهم « 1 » : بما أنعمت عليّ بالمغفرة ، فلم تعاقبني بقتل النفس وعصمتني من أن أعاقب به في الدنيا .
وجائز أن يكون بما أنعم عليه هو قوته التي أعطاها أخبر أنه لا يكون بها ظهيرا للمجرمين ، والله أعلم .
وقوله :
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ
: أكثر ما ذكر في القرآن ( أصبح ) ، أي : صار ؛ كقوله :
أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً
[ الكهف : 41 ] ، وقوله :
إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً
[ الملك : 30 ] ونحوه ، وأما هاهنا قوله :
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً
إنما يريد : الصباح نفسه .
وقوله :
يَتَرَقَّبُ
: قال عامة أهل التأويل :
يَتَرَقَّبُ
أي : ينتظر سوءا يناله منهم .
وقال أبو عوسجة : الترقب : الخوف ؛ كأنه قال : خائفا يخاف هلاكه ، وأصل الترقب هو النظر ؛ لأن موسى كان يرقب من يطلبه ومن يأتيه في طلبه ، وهو من الرقيب .
وقوله :
فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
: كأن الرجل الذي أخبر أنه من شيعة موسى كان ضعيفا في نفسه ، حيث لا يقدر أن يقوم لواحد ؛ فيستغيث بموسى ويستعين به ، إلا أنه كان يخاطب وينازع ويقاتل لسوء فيه وبلاء يقاتل وينازع ، وإلا لم يكن بنفس هذا قوة ما يقوم لواحد فمن حيث لا يقاتل مثله ، ولكنه لما ذكرنا من سوء به ؛ ولذلك قال له موسى :
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
، لكن موسى إنما عرف غوايته بالاستدلال الذي ذكرنا لا بالمشاهدة ؛ ولذلك أراد أن يبطش بالذي هو عدوّ لهما لئلا يقتله ولا يهلكه لما عرف غوايته بالاستدلال لا حقيقة .
وذكر هاهنا البطش - وهو الأخذ باليد - وفي الأول ذكر الوكزة : وهي الدفع والطعن على ما ذكرنا ، فهو - والله أعلم - لأنه لما وكز الأوّل فأتت الوكزة على نفسه فقتلته ، فأخذ هذا من هذا ليمنعه عن إهلاكه وإتلافه ، ولا يأتي على نفس الآخر كما فعلت الوكزة .
هامش
( 1 ) قاله البغوي ( 3 / 439 ) .