تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
ثم المسألة في إباء الأيمان : إذا أبي أحدهم حدّ عند بعض أهل العلم وهو قول الشافعي ، وعندنا أنه لا يحد بالإباء ؛ فذهب من أوجب الجلد بالإباء إلى ظاهر قوله :
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ
: أوجب الجلد في قذف الأجنبي إذا عجز عن إقامة الشهود ، ودرأ عنه الحدّ إذا أتى بأربعة يشهدون ؛ فعلى ذلك درأ عن الزوجين الحدّ إذا شهد كل واحد منهما أربع شهادات بالله ، فوجب إذا أبي أحدهما الأيمان أن يحد ؛ إذ بالأيمان يدرأ الحد ويوجب اللعان . والثاني : ما قال :
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ
: جعل الأيمان سبب درء الحدّ عنها ؛ فإذا أبت ذلك لزم الحدّ . وعندنا أنه لا يحدّ بالإباء ؛ لأنه ليس في الإباء ظهور الكذب ؛ إذ ليس كل من أبي اليمين يظهر كذبه فيه ؛ وإنما يحدّ لظهور كذبه في القذف ، وهو لا يعلم ، [ و ] لا يظهر بالإباء ، وإنما حدّ في الأجنبية إذا لم يأت بأربعة شهداء ؛ لأنه في الظاهر عند الناس كاذب ؛ لأنه ليس بينه وبين الأجنبية سبب ولا معنى يبعثه على إظهار ما ذكر ، وأمّا فيما بينه وبين زوجته سبب ومعنى يحمله على إظهار ذلك ، وهو الغيرة ، فإذا كان كذلك فهو في قذف الزوجة في الظاهر صادق عند الناس ؛ للسبب الذي ذكرنا ؛ لأنه طالب حق قبلها ؛ على ما روي : لا يوطئن فرشهن من يكره الأزواج ؛ فلا يزال صدقه بإباء اليمين ، وأما من قذف أجنبية فهو كاذب في الظاهر ؛ لعدم السبب الحامل على إظهار ذلك الكذب ، حتى يأتي ما يزيل الكذب وهو الشهود ، وفي الزوجة : على الصدق ، حتى يظهر بالأيمان ؛ لذلك افترقا ، ولأن الحدّ لا يقام بالإباء البتة . ولأن الأيمان لا تقابل بشهادة العدول بحال ؛ ألا ترى أن من شهد عليه شاهدا عدل بحق ، فحلف هو بأيمان لم تقابل الأيمان بتلك الشهادة في سقوط الحق . وأما قوله :
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ
: جائز أن يكون ذلك في تلك المرأة التي في أمرها نزلت الآية ، علم رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم كذبها بالوحي ؛ ألا ترى أنه قال : إذا جاءت بكذا فهو لكذا ، وإذا جاءت بكذا فهو لكذا ، ثم إذا [ بها ] قد جاءت شبيها بالذي رميت به ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « لولا الأيمان لكان [ لي ] ولها شأن » « 1 » كذّبها ؛ حيث قال : « لولا الأيمان لكان لي ولها شأن » ، فدرأت تلك المرأة العذاب عنها بالأيمان . أو أن يكون العذاب الذي درئ عنها الحبس ؛ إذ من قولنا : أيهما أبي اليمين حبس ،
هامش
( 1 ) تقدم .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 524 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم