تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
والمحدود في القذف ليسوا من أهل الشهادة ، فإذا كانوا من أهل الشهادة - وإن لم تقبل شهادتهم في غيره - فأوجب ذلك الشبهة ، والحدود مما يدرأ بالشبهات ؛ لذلك درئ عنه الحدّ ، وأما الكافر والعبد والمحدود في قذف فإن لم يكونوا من أهل الشهادة - لم يجب شبهة في درء الحدّ عنه ؛ لذلك افترقا . ثم المسألة إذا جاء الشهود متفرقين حدّوا ، ولم تقبل شهادتهم ، والقياس عندنا ألا يحدّوا ؛ لأنهم إنما يقومون في الشهادة محتسبين لا يقصدون به قذفه ولا شتمه ، وأمّا الرامي فإنه يقصد قصد شتمه وقذفه ، ولأن الشاهد يقول : رأيته فعل كذا ، والرامي يقول : أنت كذا ؛ فكان كمن يقول الآخر : رأيته كفر ، لم يضرب بهذا القول ، ولو قال : يا كافر ، ضرب ؛ لأن هذا خرج مخرج الشتم ، والأول لا ؛ فعلى ذلك الأول ، لكنهم أقاموا الحد على الشهود إذا جاءوا متفرقين ؛ لأن الله أكّد الشهادة بالزنا بأمرين : أحدهما : ألا يقبل فيها أقل من أربعة ، وألا يقبل حتى يقولوا : زنى بها ، فيأتون هذه اللفظة ويصفوا بأكثر مما يوصف غيره من النكاح وغيره ؛ فالشهادة بالزنا أحوج إلى اجتماع الشهود في موطن واحد من اجتماع الشهود على النكاح ، ومن قولهم : إن النكاح إذا عقد بشاهدين متفرقين لم يكن نكاحا ؛ فالزنا الذي كان أمره أوكد والحاجة إليه أحوج وأكثر أحق ألا يقبل . والثاني : ما جاء عن عمر أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا وفيهم أبو بكرة ، فجلدهم عمر جميعا ؛ لما لم يشهد الرابع كما شهدوا هم ، وكان ذلك بحضرة أصحاب النبي فلم ينكر ذلك عليه أحد ؛ فكان ذلك إجماعا ؛ ألا ترى أن أبا بكرة قال بعد ذلك : أنا أشهد ؛ فهمّ عمر أن يجلده ؛ فقال له على - رضي الله عنه - : إن جلدت هذا فارجم صاحبك « 1 » ، فلم ينكر عليه على جلده إياهم إذا لم يتم أربعة ؛ إنما أنكر إذا تم ، والله أعلم ؛ لذلك قلنا : إنهم إذا جاءوا فرادى متفرقين صاروا قذفة ولا ينتظر به حضور من بقي منهم ؛ كما لم ينتظر عمر . ثم مسألة أخرى : أنه إذا جاء أربعة وأحدهم زوج قبل عندنا ودرئ عنه الحدّ ؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره من السلف ، ولأن الشهادة عليها وشهادة الزوج على امرأته تقبل ، وإنما ترد إذا شهد لها ؛ ألا ترى أنه لو شهد عليها في الديون والقصاص
هامش
( 1 ) علقه البخاري في كتاب الشهادات : باب شهادة القاذف والسارق والزاني ( 5 / 582 ) ، ووصله الحاكم ( 3 / 448 ، 449 ) ، والبيهقي ( 8 / 234 ، 235 ) ، وابن جرير ( 25780 ) و ( 25781 ) ، والطبراني كما في فتح الباري ( 5 / 584 ) ، وحسن الحافظ إسناده .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 516 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم