تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
القاذف هي لا تزول أبدا . أو أن يكون توبته قوله : « فقد كذبت فيما قذفت » ؛ فكنا نردّ شهادته ؛ لتهمة الكذب ، فإذا أكذب نفسه نقبلها ؛ لتحقق الكذب ؛ فهذا بعيد . وأصله أن كل توبة كانت بعد التمكين فهي لا ترفع الحكم الذي جعل له والحدّ ، وكل توبة كانت قبل التمكين فهي ترفع العقوبات ، كقوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ
[ المائدة : 34 ] ؛ فلو لم يرفعوا عنهم تلك العقوبات لكانوا يتمادون في السعي في الأرض بالفساد ، وأمّا فيما نحن فيه فليس في ذلك التمادي فيه . وزعم الشافعي أن حاله قبل الحدّ وبعد ذلك سواء ، هذا خلاف ما نصّ الله عليه ؛ قال الله - تعالى - :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً . . .
الآية ، وقال :
فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ
[ النور : 13 ] ؛ فجعلهم كاذبين عند العجز عن إقامة الشهداء ، وكان أمرهم قبل ذلك موقوفا ؛ فالواجب أن يجعلهم كاذبين عند عجزهم عن تصحيح ما قالوا ، وهي الحال التي جعلهم الله فيها كاذبين ؛ فبان بما وصفنا أن من جعل حال المحدود بعد أن ضرب الحدّ كحاله قبل ذلك مخطئ . ودل ما وصفنا على أنه لا يجب أن يستدل بجواز شهادته قبل أن يجلد على جواز شهادته إذا تاب بعد الجلد على ما ذكرنا ؛ لأنا بالجلد علمنا أنه قاذف ، لا بما كان من رميه المرأة قبل أن يجلد . ومن الدليل على اختلاف الحالين أن عمر لما جلد أبا بكرة قال له : إن تبت قبلت شهادتك ، وأنه قبل أن يجلده لم يرد شهادته ؛ لأنه لو كان عنده مجروحا بالقذف لم يسمع شهادته ، ولا أعلم بين أهل العلم خلافا أنه لا يقبل شهادته بعد الجلد ما لم يتب ؛ وإنما يختلفون في شهادته بعد التوبة ، وأن شهادته قبل الجلد مقبولة ؛ فكيف يشتبه الحالتان مع [ ما ] وصف ؟ ! وقال غيرهم : التوبة تزيل فسقه ولا يجوز شهادته ، قالوا : الاستثناء على آخر الكلام على الذي يليه ، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ما يدل على بطلان شهادته ، وإن تاب : ما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف » « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 181 ، 204 ، 208 ، 225 ) ، وأبو داود ( 2 / 329 ، 330 ) ، كتاب الأقضية : باب من ترد شهادته ( 3600 ، 3601 ) ، وابن ماجة ( 4 / 43 ، 44 ) ، كتاب الأحكام : باب من لا تجوز شهادته ( 2366 ) ، والدارقطني ( 4 / 244 ) ، والبيهقي ( 10 / 200 ) ، بلفظ : « لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ، ولا محدود ، في الإسلام ، ولا ذي غمر على أخيه » .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 518 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم