وقوله :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
.
ذكر الرمي ولم يذكر بم ؟ فيعرف ذلك بالنازلة ، ولقوله :
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
، وذكر الأربعة الشهود ، والزنا هو المخصوص بالشهود الأربعة دون غيره من الإجرام ؛ فدل ذكر ذلك على أثر ذلك على أن الرمي المذكور فيه هو الزنا .
ثم قوله :
الْمُحْصَناتِ
: هن الحرائر في هذا الموضع لا العفائف ؛ لأن قاذف الأمة يلزمه التعزير ؛ ألا ترى أنه قال :
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ . . .
الآية [ النساء : 25 ] ؛ [ و ] ألا ترى أنه أوجب على الإماء نصف ما على المحصنات وهن الحرائر .
ولأنا لو جعلنا
الْمُحْصَناتِ
عبارة وكناية عن العفائف دون الحرائر لأسقطنا شهادة الشهود ؛ لأن العفة تكذبها .
وكذلك يدل قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ
، الغافلات : عبارة عن العفائف ؛ فدل أن المحصنات عبارة عن الحرائر ، ثم أدخل المحصنين في حكم هذه الآية في الرمي والقذف « 1 » وغيره ، وإن لم يذكروا في الآية .
ثم شدد الله - تعالى - في الزنا وغلظ في أمره ما لم يشدد ولم يغلظ في غيره من الإجرام مثله :
منها : ما نهى عن تعطيل الحدّ فيه وإضاعته وتخفيفه ؛ حيث قال :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
.
ومنها : ما أمر برجمه إذا كان محصنا مثل ما يرجم الكلب ويقتل بالحجارة .
ومنها : ما أوجب على الرامي به من الحدّ إذا لم يأت بأربعة شهداء .
والزنا بهذا كله مخصوص من بين غيره من الإجرام ؛ وذلك - والله أعلم - لقبحه في العقل والطبع جميعا ، وكذلك في الشرع .
والدليل أنه قبيح في الطبع والعقل جميعا ما ينفر عنه طبع كل مسلم وينفر عنه كل عقل
هامش
( 1 ) ينظر : اللباب ( 14 / 291 ، 292 ) .