تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
سليم . فإن قيل : لو كان ينفر عنه لكان لا يرتكبه ولا يأتيه . قيل : ينفر عنه إلا أن الشهوة التي مكنت فيه وركبت تغلبه وتمنعه عن النفار عنه ؛ ألا ترى أنه لو تفكر مثله في المتصلات به من الأم والابنة وجميع المحارم ، لم يحتمل قلبه ذلك ، وبمثله روي عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم أن رجلا أتاه فقال له : ائذن لي في الزنا ؛ فقال : « أرأيت لو فعل بابنتك وأمّك مثله : أكنت تكره ؟ فقال : نعم ؛ فقال له : اكره لغيرك ما تكره لنفسك » « 1 » : دل ذلك أنه قبيح في الطبع والعقل جميعا إلا أن الشهوة تمنعه عن النفار عنه . وفيه اشتباه الأنساب والمعارف التي جعلت فيما بين الخلق ؛ حتى لا يهتدي أحد إلى معلم يعلمه الحكمة والآداب ومعالم السنن ولا الدعاء بالآباء ، وارتفع التواصل وحفظ الحقوق التي يقوم بعض لبعض ، والشفقة التي جعل لبعض على بعض : من التربية في الصغار ، وحقوق المحارم وغيرهم ، وبها امتحن البشر والعالم الصغير ، وبطل خلق ما ذكر من الإنشاء لهذا العالم ، وتسخير ما ذكر ما في السماوات والأرض لهم ؛ فهذا كله يدلّ على قبح الزنا ونهايته في الفحش والمنكر ؛ حتى لا يعرف هذا العالم قبحه ونهاية فحشه ، وإنما يعرفه العالم الروحاني الذي لم يكن فيهم هذه الشهوة ولم يمتحنوا بها ، وأمّا هذا العالم الذي جعلت فيهم الشهوة لا يعرفون قدر قبحه وفحشه ؛ لما تغلبهم وتمنعهم عن النفار عنه والنظر في معرفة قبحه ؛ لهذا - والله أعلم - ما شدّد الله - تعالى - أمر الزنا وغلظ في أحكامه ما لم يغلظ بمثله في غيره من الإجرام وعظم شأنه من بين سائر الآثام . ثم الذكر إنما جرى في الحرائر بما ذكرنا فهو بالرجال من الأحرار إن لم يكن أكثر فما يكون دونه ؛ لأن العذر فيهن أكثر وهي الشهوة التي تغلب وتمنع عن النفار عنه ، وفي الرجال أقل ؛ فالعذر فيهم أقل ؛ ألا ترى أنه ذكر الحدّ في الإماء بقوله :
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
، ولم يذكر في العبيد شيئا ؛ فيلزم للعبد ذلك الحدّ إذا ارتكبه ؛ فعلى ذلك ما ذكر من الحدّ في النساء والقذف ، فهو في الرجال مثله . ثم أجمعوا على أن على قاذف الأمة التعزير ولا حدّ عليه ، وقد سمى الزوجة وإن كانت محصنة أمة ، وقال :
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
، وقال :
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
، سمّى ملك اليمين :
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( 5 / 256 ، 257 ) ، والطبراني في الكبير ، كما في كنز العمال ( 46610 ) ، عن أمامة في سياق طويل .