تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
قال عامة أهل التأويل « 1 » : الحق - هاهنا - هو الله ، أي : لو تبع الله أهواءهم في كفرهم وشركهم
لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
، وتأويل هذا أن الكفر والشرك مما لا عاقبة له ، وكل شيء لا عاقبة له فهو في الحكمة والعقل فاسد باطل غير مستحسن . وقال بعضهم : الحق - هاهنا - كتاب الله ، وهو القرآن على ما يهوون هم ؛ ليفسد ما ذكر ؛ لأنه يكون خارجا عن الحكمة . وجائز أن يوصل قوله :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ
الحق الذي سبق ذكره ، وهو قوله :
بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
، أي : لو اتبع ذلك الحق أهواءهم وجاء على ما هوته أنفسهم واشتهت من عبادة غير الله ، وتسميتهم إياها آلهة ، وإنكارهم البعث والتوحيد ، وغير ذلك من الأفعال التي كانوا اختاروها وعملوها - لفسدت السماوات والأرض وما ذكر ؛ لأنه يكون خلقهم وخلق ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهن - لا لما توجبه الحكمة والعقل ؛ إذ خلقهم وخلق ما ذكر لأفعالهم التي يفعلون ؛ فإذا خرج أفعالهم على غير ما توجبه الحكمة والعقل ، بل على السفه والجهل - خرج الذي لها خلق ، [ و ] من أجلها أنشئ ، كذلك ؛ إذ خلق الشيء وفعله لا لعاقبة تقصد - خارج عن الحكمة ، والله أعلم بذلك . وجائز أن يكون الحق هو رسول الله ، أي : رسول الله لو اتبع أهواءهم لفسد ما ذكر . وقوله :
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ
. قال أهل التأويل : لشرفهم وذكرهم ؛ كقوله :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
[ الزخرف : 44 ] . [ وقوله : ]
بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ
. أي : عن شرفهم معرضون . وجائز أن يكون الذكر هو الحق الذي تقدم ذكره ، أي : لو قبلوا ذلك الحق الذي [ جاءهم ] وأقبلوا نحوه يكون في ذلك ذكرهم من بعد هلاكهم ؛ كما يذكر أصحاب رسول الله من بعد ما ماتوا ؛ ألا ترى أولادهم بذكر آباءهم يتعيشون يقولون : أنا من بني فلان ؛ فيبرّهم الناس بذلك ويكرمونهم ، وأما أولئك فإنهم لا يذكرون بشيء من ذلك ؛ فذلك يدل على ما ذكرنا . ويحتمل قوله :
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ
الثناء عليهم أن لو آمنوا ؛ كقوله :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ . . .
الآية [ آل عمران : 110 ] ، وقوله :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
هامش
( 1 ) قاله أبو صالح أخرجه ابن جرير عنه ( 25623 ، 25624 ) ، وعن ابن جريج ( 25652 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 5 / 25 ) .