وقوله :
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ
من المؤمنين
عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
.
هكذا الواجب على كل من أنجاه الله من الظلمة أن يحمد ربه على ذلك ويسأله النجاة إذا ابتلي بهم ؛ كما علم نوحا أن يقول ما ذكر ويحمده على النجاة منهم ، وكما قال موسى حين خرج من عندهم خائفا :
رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[ القصص : 21 ] ، وكما سألت امرأة فرعون النجاة من فرعون وقومه حين قالت :
وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[ التحريم : 11 ] .
ثم علمه ربّه أن يسأله الإنزال في منزل مبارك ؛ حيث قال :
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
.
ثم يحتمل سؤاله المنزل المبارك : جميع الخيرات والحسنات وعمل الصالحات .
ويحتمل سؤاله المنزل المبارك : الموضع الذي فيه السعة والخصب ؛ على ما قاله بعض أهل التأويل ، المبارك بالماء والشجر وغيره ؛ فإن كان هذا ففيه دلالة إباحة سؤال السعة والخصب ، والله أعلم .
وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
.
قال قائلون « 1 » : قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
، أي : في هلاك قوم نوح وإغراقهم لآيات لمن بعدهم ،
وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
بآيات ؛ تفضلا منا وإحسانا سوى ذلك .
ويحتمل وجها آخر ، وهو أن قوله :
وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
: بسور الآيات التي كانت ؛ وجائز في اللغة ( إن ) بمعنى ( ما ) .
ويحتمل وجها آخر : وهو أن قوله :
وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
، أي : وقد كنا لمبتلين ، أي : قد ابتلاهم قبل إهلاكه إياهم ، ولسنا نعرف ما حقيقة هذا الكلام وما مراده ، والله أعلم .
وقال القتبي « 2 » :
فَاسْلُكْ فِيها
، أي : أدخل فيها ، يقال : سلك الخيط في الإبرة وأسلكته ، وقال أبو عبيدة كذلك .
وقال أبو عوسجة :
وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
: هذا من الابتلاء ، أي : اختبار ، ومن البلاء :
مبلون .
قوله تعالى :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 31 إلى 41 ]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 31 ) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 32 ) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 34 ) أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ( 35 )
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ( 36 ) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 37 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ( 38 ) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ( 39 ) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ( 40 )
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 41 )
هامش
( 1 ) انظر : تفسير ابن جرير ( 9 / 211 ) .
( 2 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 297 ) .