وقوله :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
.
يردّد - عزّ وجل - أنباء أولي العزم من الرسل وأخبارهم ، ويكررها على رسول الله ؛ ليكون أبدا يقظانا منتبها ، ويعرف أن كيف عامل أولو العزم قومهم ، وكيف صبر أولو العزم من الرسل على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم ؛ ليعامل هو قومه مثل معاملتهم ، ويصبر هو على أذى قومه ؛ على ما صبر أولئك على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم ؛ لهذا ما يردّد ويكرر أنباءهم عليه ، ويعرف قومه - أيضا - ألا يظفروا بما يأملون من تكذيبهم العاقبة ؛ بل العاقبة تصير له على ما صارت لأولي العزم من الرسل لا لقومهم ، والله أعلم .
وقوله :
أَ فَلا تَتَّقُونَ
، يحتمل وجوها :
أحدها :
أَ فَلا تَتَّقُونَ
مخالفة الله ومخالفة رسوله .
أو
أَ فَلا تَتَّقُونَ
عذابه ونقمته ووعيده .
أو
أَ فَلا تَتَّقُونَ
عبادة غير الله .
وقوله :
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ
.
هذا الذي قالوا : هو تناقض ؛ لأنهم قالوا : إنه بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم بما ادعى من الرسالة والإجابة له إلى ما دعاهم ، ثم هم - أعني : الرؤساء منهم والقادة - ادعوا لأنفسهم الفضل بما استتبعوا هم السفلة ، وطلبوا منهم الموافقة لهم والإجابة ، وهم بشر أمثالهم ؛ فذلك تناقض في القول ، ثم أقروا بتفضيل بعض الخلق على بعض ، وعرفوا قدرة الله على ذلك ؛ حيث قالوا :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً
.
فإن قدر على تفضيل الملائكة على البشر ، قدر على تفضيل بعض البشر على بعض ، ثم أخبر عن نوح أنه لا يريد بما ادعى من الرسالة التفضل عليهم ؛ ولكن يريد النصح لهم والإشفاق عليهم ؛ حيث قال :
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ
[ هود : 34 ] ،