تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة : لو كان فيهن آلهة لفسدن . ثم يحتمل قوله :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
وجوها : أحدها :
لَفَسَدَتا
، أي : لم يكونا من الأصل ؛ لأن العرف في الملوك أن ما بني هذا وأثبته يريد الآخر نقضه وإفناءه ، فلم يثبتا ولم يكونا من الأصل لو كانا لعدد . والثاني :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
: لم تكن منافع إحداهما متصلة بمنافع الأخرى للخلق ؛ إذ يمنع كل واحد منهما منافع ما خلق هو من أن تصل إلى الأخرى ، فإذا اتصلت منافع إحداهما بالأخرى ، دل أنه صنع واحد وتدبير واحد لا عدد . والثالث : لو كان عددا ، لكان لا يخرج تدبيرهما على حد واحد في كل عام ، فإذا اتسق التدبير وجرى الأمر في كل عام على سنن واحد ؛ دل أنه تدبير واحد لا عدد ؛ إذ لو كان لعدد لكان يختلف الأمر في كل عام ولم يتسق على سنن واحد ، ولا جرى على أمر واحد . وقال بعضهم : هو قول الله :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
[ المؤمنون : 91 ] على ما هو من عادة ملوك الأرض . وقوله - عزّ وجل - :
فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
من الولد والشريك . وقوله - عزّ وجل - :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
. هذا يحتمل وجوها : أحدها : أنه لا يسأل ؛ لأن ما يفعل يفعل في ملكه وسلطانه ، وإنما يسأل من فعل في سلطان غيره وملك غيره ، ففي ذلك دلالة أنه لا يجوز التناول في شيء إلا بالأمر والإباحة من مالكه ، فيبطل قول من يقول : هو على الإطلاق والإباحة في الأصل . والثاني :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
؛ لأنه حكيم بذاته لا يخرج فعله عن الحكمة ، فإنما يسأل من يحتمل فعله السفه ، فأما من لا يحتمل فعله إلا الحكمة ، فإنه لا يحتمل السؤال : لم فعلت ؟ ولما ذا فعلت ؟ والثالث : لو احتمل السؤال عما يفعل لاحتمل الأمر والنهى : أن افعل كذا ، ولا تفعل كذا ، وذلك محال ، ولو ثبت الأمر فيه لكان يخرج سؤاله سؤال حاجة ؛ لأن من يأمر من فوقه بأمر فإنما يكون أمره سؤال حاجة ، ومن يأمر من دونه فيكون أمره أمرا . وقوله :
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ
. فيه دلالة لزوم الدليل على النافي ؛ لأنه لما قال :
هاتُوا بُرْهانَكُمْ
كان لهم أن يقولوا : هات أنت البرهان على ما ادعيت من الألوهية ، ونحن ننكر ذلك ، فإذا لم يكونوا