تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
لعبا ؛ كقوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] ، صير عدم الرجوع إليه [ بعد ] خلقهم عبثا باطلا . وقال الحسن : لم يخلقهما عبثا ، ولكن خلقهما لحكمة من نظر إليهما دلّاه على وحدانية منشئهما وسلطانه وقدرته وحكمته وعلى علمه وتدبيره . وقوله - عزّ وجل - :
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا
. قال بعضهم « 1 » :
لَهْواً
أي : زوجة ، لكن هذا بعيد ؛ لأنه احتج عليهم على نفي الولد بنفي الصاحبة بقوله :
أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ
[ الأنعام : 101 ] ، فلو لا أنهم أقروا وعرفوا أن لا صاحبة له ، وإلا لم يكن للاحتجاج عليهم على نفي [ الولد ] بنفي الصاحبة معنى ، ويكون قوله :
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً
أي : ولدا ؛ لأن الناس يتلهون بالولد فسماه : لهوا لذلك ، قال :
لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
هذا يخرج على وجهين : أحدهما :
لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا
بحيث لا تبلغه أفهامكم ولا يدركه علمكم ؛ لأن الولد يكون من جنس الوالدين ومن شكلهما ، وسبيل معرفته وعلمه الاستدلال الحسي ، فإذا لم يعرفوه هو بالحسي فكيف يعرفون من هو يكون منه لو كان ؟ ! والثاني : أن الغائب إنما يعرف بالاستدلال بالشاهد ، فلو كان له الولد على ما تزعمون لكان لا يعرف ؛ لأنه لا صنع للولد في الشاهد ، إذ هو الواحد المتفرد بإنشاء العالم ، فيذهب معرفة الولد إدراكه لو كان على ما تزعمون . وقوله :
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا
، ليس على أنه يحتمل أن يكون له الولد ، أو أن يحتمل أن يتخذ ولدا ، ولكن لو احتمل أن يكون لم يحتمل أن يدرك ويعلم ، وكذلك يخرج قوله :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] ليس أنه يحتمل أن يكون فيهما آلهة ، ولكن لو احتمل أن يكون فيهما آلهة لفسدتا . وقوله - عزّ وجل - :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ
. يشبه أن يكون الحق الذي أخبر أنه يقذف على الباطل القرآن الذي أنزله على رسوله أو الرسول نفسه ، أو الآيات التي جعلها لوحدانيته أو ألوهيته .
فَيَدْمَغُهُ
، أي : يبطل ذلك الذي قالوا في الله ما قالوا من الولد والصاحبة وغيره مما لا يليق به .
فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
، أي : هو ذاهب متلاش .
هامش
( 1 ) قاله الحسن ، أخرجه ابن جرير ( 24505 ) وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 565 ) ، وهو قول مجاهد وقتادة وإبراهيم وغيرهم .