تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
قريبا منه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
أي : الغالب ، فإن كان الخوف الذي ذكر خوف طبع وما جبل عليه المرء ، فيكون قوله :
لا تَخَفْ
على تسكين القلب وتثبيته ، وإن كان الثاني فهو على البشارة له ، والإخبار على ألا يمنع سحر أولئك عن أن يبصروا ما تأتي به أنت من الآية ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا
هذا يدل أن سحر أولئك إنما صار بعد ما ألقوا ما في أيديهم ، لم يكن سحرا وقت كونه في أيديهم ، وكذلك عصا موسى إنما صارت آية وحجة بعد ما ألقاها من يده لم تكن وقت كونها في يده ، وكذلك حيث قال :
وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا
، أي : تلقم وتأكل ما صنعوا
إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
أي : لا يفلح الساحر حيث أتى بسحره ، وإلا قد أفلح سحرة فرعون ، وفي حرف ابن مسعود : أين أتى . وقال بعضهم : حيث كان . وحيث وحوث لغتان ، وهو قول الكسائي . وقوله - عزّ وجل - :
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى
؛ لأنهم عرفوا حقيقة ما أتى به موسى ، فعلموا أنه سماوي وأنه آية ليس بسحر ، فآمنوا إيمانا لم يرتابوا فيه قط ، وهذا يدل أن كل ذي بصر وعلم في شيء يكون أبصر وأعلم في ذلك الشيء من غيره ؛ حيث لم ينظروا لما رأوا ما أتى به موسى وعاينوا وقتا ينظروا فيه ، بل لسرعة معرفتهم ، لم يملكوا أنفسهم ، بل ألقوا على وجوههم على ما أخبر ؛ حيث قال :
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ
[ الشعراء : 46 ] و
سُجَّداً
. وقال القتبي « 1 » :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
: أي : أضمر خوفا . وقال غيره : وقع في قلبه حيث أنّى كان . وقال أبو عوسجة :
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ
، أي : يظن ، يقول : يخيل إلى ، أي : يريني فهمي وعلمي أن هذا الشيء كذا وكذا ،
فَأَوْجَسَ
أي : أحس .
تَلْقَفْ
وتلقم : واحد . وقوله تعالى :
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
. قال بعضهم : يعني : موسى . وقال بعضهم : كبير السحرة الذي علم غيره السحر . وقال في آية أخرى :
إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها . . .
الآية [ الأعراف : 123 ] ، قد علم اللعين أن ذلك ليس بسحر ولا مكر مكروا به ، لكنه أراد أن
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ص ( 280 ) .