تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
حارة محرقة للكفار والظلمة . قال الحسن : لا يحتمل أن يدخل أهل الإيمان النار ؛ لأن الله - عزّ وجل - آمن المؤمنين أن يكون عليهم خوف أو حزن بقوله :
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ البقرة : 38 ] ، فلو كانوا يدخلون النار ، لكان لهم خوف وحزن ، وقد أخبر أن
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
دلّ أنهم لا يدخلونها . وجائز أن يكونوا واردين جميعا ، داخلين فيها ، لا دخول تعذيب فيها وعقاب ؛ لأنه ذكر أن ممرهم جميعا على الصراط لجهنم كالسطح للدار ؛ كمن حلف ألا يدخل دارا فتسور بسورها أو صعد سطحا من سطوحها حنث ويصير داخلا فيها ؛ فعلى ذلك جائز أنهم إذا مرّوا على الصراط نجا أهل الإيمان فمرّوا به ، وتزل أقدام الكفار فيها ؛ فبقوا فيها ، فكان الفريقان يوصفان بالدخول على الوجه الذي وصفنا . وقال بعضهم : ورود المسلمين : المرور بهم على الجسر بين أظهرها ، [ و ] ورود المشركين : أن يدخلوها . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « الزّالّون والزّالّات » « 1 » وما ذكر الحسن أنه من المرسلين ألا يكون عليهم خوف ولا حزن ، فجائز أن يكون الله يدخلهم فيها على غير جهة العقوبة فلا يكون لهم خوف ولا حزن ، ألا ترى أنه أخبر أنه جعل الملائكة أصحاب النار بقوله :
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً
[ المدثر : 31 ] ثم لا يكون لهم خوف ولا حزن وهم ممن أوعدوا بها إذا خالفوا أمر الله وعصوه بقوله :
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ . . .
الآية [ الأنبياء : 29 ] ؛ ألا ترى أنه أخبر أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار ثم لا يخافون ولا يحزنون بقوله :
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ
[ الصافات : 55 ] وهم في الدنيا إذا اطلعوا عليها لا شك أنهم يخافون ويحزنون ويسوءهم ذلك أشدّ الخوف ثم في الآخرة لا ، فعلى ذلك جائز أن يكونوا يردونها ويدخلونها ولا يخيفهم ذلك ولا يحزنهم ولا يسوءهم ، والله أعلم بذلك . وقوله - عزّ وجل - :
كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
أي : قضاء واجبا ،
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
الشرك والفواحش « 2 »
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
على ركبهم . قوله تعالى :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 73 إلى 76 ]

وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ( 75 ) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 )
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 23849 ) . ( 2 ) ينظر : اللباب ( 13 / 120 - 121 ) .