تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
ذكر هذا - والله أعلم - لأن العرب كانت لا تعرف الرسل والكتب المنزلة من السماء ولا يؤمنون بهما ، وكانت لا تعرف ذكر الرحمن ولا التسمية « 1 » به وكذلك غيره من الأسماء ، لما لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بألسن الرسل والأنبياء ، وإما بالكتب المنزلة من السماء ، فإذا لم يؤمنوا بالرسل ، ولا عرفوا الكتب ، حملهم ذلك على الإنكار والجحود لأسمائه ، ولذلك قالوا :
وَمَا الرَّحْمنُ
[ الفرقان : 60 ] وقوله :
وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ
[ الرعد : 30 ] أي : يكفرون بذكر الرحمن واسمه ؛ لما ذكرنا . أو أن يكونوا أنكروا اسم الرحمن ؛ لما لم يعرفوا أنه مأخوذ من الرحمة ، [ ولو عرفوا : أنه من الرحمة ما أنكروا ؛ على ما لم ينكروا « الرّحيم » ؛ لأنهم عرفوا أن الرحيم مأخوذ من الرحمة ] « 2 » وأما الله فهم يسمون كل معبود إلها ، وعلى ذلك سموا الأصنام التي كانوا يعبدونها : آلهة ، ويقولون :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] ، و
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] ، فيسمون الله لما هو المعبود عندهم ، ورجعت عبادتهم الأصنام إلى الله ؛ حيث زعموا
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
، كانوا يطلبون بعبادتهم الأصنام القربة إلى الله ؛ لذلك أنكروا غيره من الأسماء ؛ على أن العرب لم ينكروا لشئ واحد اسمين وأكثر ، وعرفوا أن اختلاف الأسماء ، وكثرتها لا يوجب اختلاف المسمى بها ، ولا يوجب عددا منه ، وأن ما قالوا : إنه كان يدعو حتى الآن إلى عبادة واحد ، فالساعة يدعو إلى عبادة اثنين وأكثر ، إنما قالوا على التعنت والعناد ، وإلا قد عرفوا لشئ واحد اسمين وأكثر ، لكنهم أنكروا لله ذلك ؛ لما ذكرنا ؛ تعنتا منهم ، وعنادا ، على هذا يجوز أن - تتأوّل الآية - والله أعلم . ثم اختلف في تخصيص ذكره بهذين الاسمين : قال بعضهم : وجه تخصيصهما ؛ لأنهما اسمان مخصوصان له ، لا يجوز أن يسمى غيره بهذين الاسمين ، وأما غيرهما من الأسماء فإنه يجوز أن يسمى غيره بها . وقال الحسن : خصّ بذكرهما ؛ لأنهما اسمان معظمان عند الخلق ما لم يجعل لغيرهما من الأسماء من التعظيم ما جعل لهذين . وقال أبو بكر الأصم : خص بذكر هذين ؛ لأن غيرهما من الأسماء أسماء أخذت عن صفاته ، وأما هذان فهما ليسا أخذا عن صفته .
هامش
( 1 ) في أ : الثقة . ( 2 ) سقط في أ .