تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
والنذارة ؛ وهما أمران يكونان في عواقب الأمور البشارة تكون عاقبة كل محبوب ومحمود ، والنذارة عاقبة كل فعل مكروه ومذموم . ثم لقائل أن يقول في قوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً
البشارة : لمن أجابه فيما أمره به ودعاه إليه ، والنذارة : لمن ارتكب ما نهى عنه ، فكيف لا دلّ هذا على أن النهي يوجب الحظر والتحريم ، حيث ألحقه النذارة بارتكاب ما نهى عنه ؟ قيل : إن النذارة : عاقبة كل مكروه ومذموم ، والبشارة : عاقبة كل محبوب ومحمود ، فيكون ذلك في الآداب وغيرها ، ولأن الرسل لم يبعثوا إلا لتغيير مناكير وفواحش ظهرت في الخلق وغيره من الفواحش والمناكير ، لم يبعثوا لصغائر ظهرت فيهم ، ثم دخل الصغائر والآداب فيما أرسل تبعا ، وإلا كان سبب إرسالهم الكبائر والفواحش ، فإذا كان ما ذكرنا ، كان في النهي نهي أدب ، ونهي حتم وحكم . وبعد فإن الله - تعالى - قد أخبر أنه قد يعفو عن كثير من السيئات وما عفي عنه ، لم يلحق فيه النذارة والوعيد ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل -
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ
. بالتخفيف والتثقيل
فَرَقْناهُ
. قال بعضهم :
فَرَقْناهُ
بالتخفيف ، أي : أحكمناه ، وثبتناه ؛ حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه . وقال بعضهم : فرقناه ، وقطعناه في الإنزال سورة فسورة ، وآية فآية على ما أنزل .
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
. فهو . والله أعلم . لوجوه : أحدها : ما ذكر [ في ] قوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ . . .
، أخبر - عزّ وجل - أنه إنما أنزله بالتفاريق ؛ ليثبت به فؤادك ؛ لأن ذلك أثبت في القلب وأيسر في الحفظ . والثاني : أنزله بالتفاريق على قدر النوازل ؛ لتتجدد لهم البصيرة ، وتزداد لهم الحجة بعد الحجة ، ولو كان جملة لم يكن ليتجدد لهم ذلك ، ولا تزداد لهم البصيرة . أو أن يكون أنزله بالتفاريق للتنبيه ؛ لينبههم في كل وقت ، ويعظهم في كل حال ؛ إذ ذلك أنبه لهم ، وأوعظ من أن يكون منزلا جملة واحدة ، ألا ترى أن الآية إذا دامت تكون في التنبيه أقل ، وإذا كانت متقطعة في الأوقات ، كانت أخوف وأنبه ، نحو كسوف الشمس بالليل ، صار بالدوام غير مخوف ، ولا منبه لهم للدوام ، وكسوفها بالنهار ، صار تنبيها ؛