تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
للانقطاع ؛ على ذلك الأوّل ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا
ظاهر هذا خرج على التخيير ، لكن المراد منه يخرج على حتم المواعظ ، وتأكيد الوعيد ، وتغليظه ، وكذلك قوله :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
[ فصلت : 40 ] ، ظاهره على التخيير [ لكن الحكماء ] « 1 » لم يفهموا منه على ما خرج ظاهره ، لكن فهموا منه تأكيد الوعيد وحتم الوعظ ، وهكذا المعروف في الشاهد أن إنسانا لو أمر آخر بأمره ووعظه مرارا فلم ينجع فيه ، يقول له : إن شئت فافعل ، وإن شئت لم تفعل على ما لو فعلت ، أو لم تفعل فإنما ضرر ذلك عليك إن تركته ، ونفعه يرجع إليك لو فعلت ؛ فعلى ذلك قوله :
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا
فلا ضرر علينا في ترككم الإيمان به ، ولا يرجع نفعه إلينا لو آمنتم به ، إنما نفعه لكم وضرره عليكم إن شئتم فعلتم وإن شئتم لم تفعلوا ، فهو كقوله :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
[ الإسراء : 7 ] ، وكقوله :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ . . .
الآية [ فصلت : 46 ] ، ونحو ذلك مما يخبر ؛ إذ كل من عمل خيرا فلنفسه عمل ، ومن عمل شرّا فعلى نفسه ضرر ذلك ؛ فهذا ينقض على أصحاب الظواهر ، حيث قالوا : يفهم من الخطاب ظاهره لا يتعدى عن ظاهره ، حيث لم يجب أن يفهم من قوله :
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا
التخيير ، لكن فهموا الوعيد الوكيد الغليظ ، وحتم المواعظ . فإن قيل : ما الحكمة في لزوم الأمر وافتراضه ، إذا كان ما يأمرنا وينهانا لمنافع أنفسنا ولضرر على أنفسنا ، ومن لم يعمل في الشاهد لنفسه ، ولا سعى لنفع نفسه ، فلا لائمة عليه ، ولا مؤاخذة . قيل : في الحكمة أن يفرض علينا السعي في فكاك أنفسنا ، ودفع الهلاك عن أنفسنا ، وفي أمره إيانا أمر بالسعي في فكاك أنفسنا ، ودفع الهلاك عنها ، وحاصل أمره ونهيه يكون المنفعة لنا لا له ، وكذلك الضرر ، وعلى ذلك يخرج قوله :
وَما ظَلَمْناهُمْ . . .
الآية [ هود : 101 ] ، وعلى ذلك يخرج دعاء آدم وغيره :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا . . .
الآية [ الأعراف : 23 ] . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً
. وهذا أيضا ينقض على أصحاب الظواهر ؛ لأنه لا كل من أوتي العلم منهم يخرّ للأذقان على ما خرج ظاهره ، فدلّ أن الاعتقاد ليس بالظاهر على ما قرع السمع ، ولكن على ما توجبه الحكمة . ثم قوله :
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
أي : إن الذين أوتوا منفعة العلم يخرّون للأذقان سجدا .
هامش
( 1 ) سقط في أ .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 126 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم