تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
آياته عليهم وإقامة حججه عليهم - إلا عنادا وإنكارا ، فقال عند ذلك :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
، أي : على دينه وطريقته ، كقوله :
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
[ الكافرون : 6 ] ، وكقوله :
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
[ يونس : 41 ] ، فهو كله على الإياس عن أن يؤمنوا به ويقبلوا دينه ، ثم قال :
فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا
، أي : ربكم أعلم بمن منا على الهدى ، ومن ليس . أو [ من ] منا أهدى سبيلا نحن أو أنتم ؟ وقال أبو عوسجة : الشاكلة : الحاضرة أي : على ناحيته « 1 » . وقال القتبي « 2 » : شاكلته ، أي : على خليقته [ وطبيعته ] . وقال قطرب : على طريقته ، وكأن هذا أشبه . وقال بعضهم « 3 » : على نيته . وقيل : على دينه ومذهبه . وقيل : على جديلته ومنهاجه ، وكله يرجع إلى واحد . ويشبه أن يكون : أي : كل يعمل « 4 » بما هو الشبيه به وما هو يشبهه ؛ لأن الشكل هو ما يشبه الشيء ، يقال : هذا شكل هذا ، وقوله :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
على قول من يقول على خليقة خلق عليها ؛ لأنه خلق على علم منه أنه يختارها ويؤثرها ، والله أعلم . وقوله :
إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
قيل « 5 » : ذاهبا باطلا ، لا يجدي لأهله نفعا ؛ لأنه يتلاشى ولا يبقى ، والحق يجدي لأهله نفعا ويبقى ، وعلى ذلك ضرب الله مثل الحق بالشيء الذي يبقى ، وضرب مثل الباطل بالشيء الذي لا يبقى ولا يثبت ؛ فقال :
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
[ الرعد : 17 ] ، وقد ذكرناه في موضعه : ضرب مثل الباطل بالزبد وهو يتلاشى ، لا ينتفع به ؛ فعلى ذلك الباطل ، وضرب مثل الحق بالماء ، وهو يبقى في الأرض ، وينفع الناس ، وضرب مثل الباطل - أيضا - بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار بقوله :
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ . . .
الآية [ إبراهيم : 26 ] ، وضرب مثل الحق
هامش
( 1 ) وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة ، أخرجه ابن جرير عنهم ( 22670 ) و ( 22671 ) و ( 22673 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 360 ) . ( 3 ) قاله الحسن أخرجه هناد بن السري وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 4 / 361 ) . ( 4 ) في أ : عمل . ( 5 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 22664 ) ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 4 / 360 ) .