تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
لما خرج ذكرها على أثر سؤال الروح ، فدلّ أنه ما ذكرنا ، وقد ضل بهذه الآية فريقان : الحشوية ، والمعتزلة . أمّا الحشوية فإنهم يقولون : إن القرآن والكلام هو صفة الله الذي هو لم يزل به موصوفا ، وإنه لا يزايله ، ثم [ إنهم ] « 1 » يقولون : القرآن في المصاحف بعينه وهو في الأرض وفي القلوب ، فقولهم مناقض ؛ لأنه إذا كان صفته لا هو ولا غيره ، لا يجوز أن يكون في المصاحف بعينه أو في الأرض أو في القلوب . قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله - : أمّا الذي في المصاحف هذا ما يفهم به ذلك أو ما يوافق به ذاك - أعني : القرآن - ويقال : هذا حكاية عن ذلك . وأما المعتزلة : فإنهم ينكرون خلق أفعال العباد ، ثم يقولون : إن القرآن مخلوق ؛ فعلى زعمهم يكون القرآن والكلام ما يكتب ويثبت ويمحى ، وذلك فعل العباد ، ثم يقولون : أفعالهم غير مخلوقة ؛ فذلك تناقض في القول بيّن . وعلى قولنا : ما ذكر من الذهاب والمجيء كله على المجاز ، أي : الموافقة لا على الحقيقة ، كما يقال : سمعت كلام فلان وقول فلان ، وكتبت حديث فلان ونحوه ؛ فذلك كله على المجاز لا على التحقيق ؛ لأنه لا يسمع قول فلان حقيقة ولا كلامه ولا حديثه ، ولكن يسمع صوتا يفهم به قوله وكلامه وحديثه ، فعلى ذلك الأول يذهب بالذي يسمع ويكتب ، فأما حقيقة ذلك فلا يوصف بشيء من ذلك . وبعد : فإنه قد أضيف المجيء إلى الذي لا يعرف منه ذلك ، ثم يحتمل قوله :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
، أن يكون صلة قوله :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
حتى لا يظفر به ، وإلا كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم يعلم أنه لو شاء لذهب بالذي أوحى إليه وقادر عليه وله رفعه ، وكذلك يعرف هذا كل مؤمن . وإن كانت الآية على الابتداء فهو يخرج على ذكر المنة والرحمة ، أي : له أن يرفع هذا الذي أوحى إليه ؛ ليعلموا أن إبقاء النبوة والوحي فضل منه ورحمة ، وكذلك الوحي إليه في الابتداء وبعثه رسولا إليهم فضلا واختصاصا لا استحقاقا منه واستيجابا ، كقوله :
وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 105 ] ، وقوله :
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
[ آل عمران : 73 ] أخبر أن النبوة له وما أرسل إليه اختصاصا منه وفضلا ، لا استحقاقا منه ؛ فعلى ذلك إبقاء النبوة والوحي رحمة وفضل منه .
هامش
( 1 ) سقط في أ .