تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
أو جاءت حجج الحق وبراهينه وذهبت شبه الباطل وتمويهاته ، والحق : يحتمل ما ذكرنا من الإسلام ورسول الله . وقوله - عزّ وجل - :
وَزَهَقَ الْباطِلُ
، أي : ذهب وبطل غيره من الأديان ، وغيره من المذاهب ، وعبادة الأصنام ونحو ذلك . قالوا : وأصله : أن الناس كانوا في حيرة وتيه قبل بعث الرسول ؛ لما كانوا فقدوا دين الله وسبيله منذ كان رفع عيسى من الأرض إلى السماء لا يجدون سبيل الله ، ولا يهتدون إلى شئ ، حيارى ، حزانى حتى بعث الله محمدا ، ليدعوهم إلى دين الله ، ويبين لهم سبيله الذي كان يتمسك به الأنبياء من قبله ، ويخرجهم من تلك الحيرة التي كانوا فيها ، ففعل صلى اللّه عليه وسلّم ؛ فذلك الذي قال الله تعالى :
جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ
، أي :
جاءَ الْحَقُّ
الذي [ كانوا ] « 1 » فقدوه فسرّوا بذلك ،
وَزَهَقَ الْباطِلُ
، أي : ذهب واضمحل ،
إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
، أي : ذاهبا مضمحلا ، لا يجدي خيرا ، ولا يعقب لأهله نفعا ، والحق هو الذي يعقب ويجدي نفعا لأهله . ثم قوله :
جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ
لم يفهم أهل الخطاب بمجيء الحق : الانتقال من مكان إلى مكان ، ولا بذهاب الباطل على ما يفهم من مجيء فلان وذهاب فلان ، بل فهموا من مجيء الحق ظهوره وعلوه ، وفهموا من زهوق الباطل وذهابه : فناه واضمحلاله وتلاشيه ، وعلى ذلك لم يفهموا من مجيء الأعراض ما فهموا من مجيء الأجسام والأجساد ؛ فعلى ذلك لا يجب أن يفهموا من قوله :
وَجاءَ رَبُّكَ
: الانتقال من مكان إلى مكان ؛ وكذلك لا يفهم من قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : 54 ] استواء الخلق ، ولا من نزوله : نزول الخلق ؛ على ما لم يفهم مما أضيف إلى الأعراض من الأفعال ما فهموا من الأجساد والأجسام ، بل فهموا [ من الله غير الذي فهموا من الآخر ] « 2 » ؛ فعلى ذلك لا يفهم مما أضيف إلى الله تعالى ما يفهم مما أضيف إلى الخلق ، بل يتعالى عن أن يشبه الخلق أو يشبهه الخلق في معنى من المعاني ، أو في وجه من الوجوه ، بل هو كما وصف نفسه ؛
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] ، وقوله :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ
[ الأنعام : 100 ] وتعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . وقوله - عزّ وجل - :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ
، كأن الآية نزلت في ابتداء الأمر ، حيث قال :
وَنُنَزِّلُ
ولم يقل : ( ونزلنا من القرآن ما هو شفاء ) . وجائز أن يكون قوله :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ
: نفس القرآن ، وهو ما ذكرنا .
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 101 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم