ويحتمل المواعيد التي في القرآن من وقائع تكون عليهم ، وكأن في ذلك شفاء للمؤمنين ، كقوله :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ . . .
الآية [ التوبة : 14 ] .
أو نقول بأنه يجوز ( نفعل ) بمعنى ( فعلنا ) ، وذلك كثير في القرآن .
ثم قوله :
ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
، أي : شفاء للمستشفين في الدنيا ، ورحمة لمن تمسك به في الآخرة ، فيه شفاء لمن استشفاه في الدنيا ، ورحمة في الآخرة لمن تمسّك به ، وعمى وخسار وظلمة لمن أعرض عنه ، ونظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء [ والاستثقال ] « 1 » ، وأما من نظر إليه بعين التعظيم والإجلال فهو له شفاء ورحمة وإن كان القرآن نفسه شفاء ونورا « 2 » ، وهكذا في الشاهد أن من أبصر شيئا إنما يبصر بنور البصر وبنور الهواء بارتفاع ما يستر النورين جميعا ؛ لأنه إذا كان عمى البصر لم يبصر شيئا ، وإن كان نور الهواء متجليا وكذلك لا يبصر إذا كان نور البصر متجليا ، بعد أن سترت الظلمة نور الهواء .
فإن كان ما ذكرنا أنه لا يبصر في الشاهد شيئا إلا بنورين : نور البصر ، ونور الهواء ، فالكافر لم يبصر نور القرآن وشفاءه ؛ لما سترت الظلمة نور قلبه ، والمؤمن أبصر نوره وشفاءه بنور إيمانه ، وهكذا الأدوية ؛ فإنها لا تجدى نفعا وإن كانت نافعة شافية في أنفسها إلا بقبول الطبيعة ؛ لأن الطبع إذا لم يقبلها وإن كانت نافعة شافية - لم تنفع صاحبها ، ولم تكن له شفاء ، وصارت كأنها في الأصل كانت ضارة غير شافية ؛ فعلى ذلك القرآن - وإن كان في نفسه شفاء ونورا - ضار للكافر عمى وخسارا ، كأن لا شفاء فيه ولا رحمة لما سترت ظلمة الكفر نوره فصار كالزائد رجسا وطغيانا ونفورا ، وهو ما قال :
وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً
، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 83 إلى 89 ]
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 ) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 ) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ( 85 ) وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ( 86 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ( 87 )
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 89 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ
:
هامش
( 1 ) سقط في أ .
( 2 ) ينظر : اللباب ( 12 / 369 ) .