عملتم « 1 » .
ثم قالت المعتزلة : في قوله :
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
دلالة على أن الله لا يريد ما أراد العباد إذا أرادوا المعصية ؛ لأنه أخبر أنهم أرادوا عرض الدنيا ، وهو يريد الآخرة ، فهم أرادوا المعصية ، وهو يريد لهم الآخرة .
ولكن التأويل عندنا أن قوله :
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
، أي : تريدون عرض الدنيا ، والله يريد حياة الآخرة وعرضها .
وبعد ، فإنه قد كان الله أراد لهم الآخرة وحياتها ، وهم أرادوا العير وعرض الدنيا ، وقد كان ما أراد الله لهم لا ما أرادوا هم ، أي : اختار لهم غير ما اختاروا هم .
وأصله أن الله - عزّ وجل - أراد الآخرة لأهل بدر ، فكان ما أراد ، ولأولئك الكفرة النار ، فكان ما أراد ؛ كقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ
[ آل عمران :
176 ] .
والأشبه أن تكون الإرادة - هاهنا - المودة والمحبة ، أي : تودون وتحبون عرض الدنيا ، والله يريد الآخرة ، وهو ما ذكر في آية أخرى ؛ حيث قال :
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
[ الأنفال : 7 ] ، كانوا يودون أن القتال مع غير ذات الشوكة ؛ حتى تكون لهم الغنائم .
والإرادة التي تضاف إلى الله تخرج على وجوه ثلاثة :
أحدها : الرضا ؛ كقوله :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
[ الأنعام :
148 ] ، كانوا يستدلون بتركه إياهم على أن الله قد رضي بصنيعهم .
والثاني : الإرادة : الأمر ؛ كقوله :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
[ الأعراف : 28 ] .
والثالث : الإرادة هي صفة فعل كل فاعل يخرج فعله على غير سهو وغفلة ولا طبع ؛ بل يخرج على الاختيار .
هامش
- من هذه الصفة فلا تحل الفتيا فيه لمن لم يلح له وجهة ؛ إذ لا شك أن عند غيرنا بيان ما جهلناه ، كما أن عندنا بيان كثير مما جهله غيرنا ولم يعر بشر من نقص أو نسيان أو غفلة .
وقال أيضا : إن المجتهدين قسمان ، إما مصيب مأجور مرتين ، وإما مخطئ ، والمخطئ قسمان :
مخطئ معذور مأجور مرة ، وهو الذي أداه اجتهاده إلى أنه على حق عنده ، ومخطئ غير معذور ولا مأجور ولكن في جناح وإثم ، وهو من تعمد القول بما صح عنده الخطأ فيه ، أو بما لم يقم عنده دليل باجتهاده على أنه حق عنده . ينظر : شرح التوضيح ( 2 / 117 ) ، والإحكام لابن حزم ( 8 / 136 ) .
( 1 ) في أ : أعلمتم .