ومخالفتكم إياه في الخروج وإرادتكم العير .
أو أن يقال : لولا أن من حكم الله ألا يعذب أحدا ولا يؤاخذه في الخطأ في العمل بالاجتهاد « 1 » وإلا لمسكم
فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
، ويكون قوله :
أَخَذْتُمْ
أي :
هامش
( 1 ) هنا لا بد أن نتعرض إلى بيان محل الاجتهاد ، فنقول : كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي هو محل الاجتهاد ؛ فلا يجوز الاجتهاد فيما ثبت بدليل قطعي كوجوب الصلوات الخمس والزكوات وباقي أركان الإسلام ، وما اتفقت عليه جليات الشرع التي تثبت بالأدلة القطعية .
فالاجتهاد المقصود هنا هو الاجتهاد في الظنيات .
والاجتهاد بالظنيات عند الجمهور حكمه غلبة الظن بأن ما وصل إليه المجتهد باجتهاد هو الحكم الصواب ويحتمل أن يكون خطأ عند أهل السنة ، والمراد بالصواب : الموافقة لما عند الله في الواقع ونفس الأمر .
والمراد بالخطإ : المخالفة لما عند الله في الواقع ونفس الأمر .
وأصحاب هذا الرأي يطلق عليهم اسم : المخطئة ، ورأيهم هو المختار عند الحنفية وعامة الشافعية .
وعامة المعتزلة يقولون : كل مجتهد مصيب .
وهذا الخلاف بين أهل السنة وبين عامة المعتزلة ناشئ عن الخلاف في أن لله تعالى حكما معينا قبل الاجتهاد أولا .
فعند أهل السنة لكل حادثة حكم معين عند الله - تعالى - عليه دليل ظني : إن وجده المجتهد أصاب وله أجران وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد فقط ، فإذا اجتهدوا في حادثة وكان لكل مجتهد حكم فالحكم عند الله تعالى واحد وغيره الخطأ .
وقالت المعتزلة : لا حكم قبل الاجتهاد بل الحكم تابع لظن المجتهد حتى كان الحكم عند الله تعالى في حق كل واحد مجتهد هو وكل المجتهدات صوابا ، فكأن الشرع يقول : كل ما وصل إليه المجتهد باجتهاده فهو الحكم في حقه ، وأصحاب هذا الرأي يطلق عليهم اسم : المصوّبة .
وقد استدل القائلون بأن الحق واحد - وهم الأئمة الأربعة وعامة الأصوليين من أهل السنة - بأدلة منها :
أما الكتاب فقوله تعالى :وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً[ الأنبياء : 78 - 79 ] .
وجه الدلالة : أنه تعالى خص سليمان بالفهم في قوله : « ففهمناها سليمان » ، ومنّ عليه ، وكمال المنة في إصابة الحق ، فلو كانا مصيبين لما كان لتخصيص سليمان بالفهم فائدة ، ولا مانع من القول بمفهوم المخالفة في هذا الموضع عند الحنفية ، وواضح أنهما حكما بالاجتهاد ؛ لأنه لو كان حكم داود بالنص لما وسع سليمان مخالفته ، ولما جاز رجوع داود عنه .
وأما السنة فهي الأحاديث الدالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ وهي كثيرة ، منها : ما روي أنه - عليه السلام - قال : « جعل الله للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا » .
وقال ابن حزم الظاهري : أقسام المجتهدين بقسمة العقل الضرورية لا تخرج عن ثلاثة أقسام عندنا :
مصيب نقطع على صوابه ، ومخطئ نقطع على خطئه ، عند الله تعالى ، أو متوقف فيه لا ندري أمصيب عند الله تعالى أم مخطئ . وإن أيقنا أنه في أحد الخيرين عند الله تعالى بلا شك ؛ لأن الله تعالى لا يشك بل عنده علم حقيقة كل شيء لكنا نقول : مصيب عندنا ، ومخطئ عندنا ، أو نتوقف فلا نقول : إنه عندنا مخطئ ولا مصيب وإنما هذا فيما لم يقم على حكمه عندنا دليل أصلا ، وما كان -