الأسارى :
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
، فجعل النبي والمؤمنين بالخيار : إن شاءوا فدوهم « 1 » .
وعن الحسن قال : يصنع به ما صنع رسول الله بأسارى بدر يمن « 2 » عليه أو يفادي .
وقال غيرهم بخلاف ذلك .
وقال أصحابنا « 3 » : إن احتاج الإمام إلى مال فاداهم .
وقد دل ما ذكرنا من الآيات والأخبار على جواز الفداء بعد الإثخان فيهم ، فإن لم يكن إلى المال محتاجا فله قتلهم ؛ لأن ذلك إنكاء في العدو وأشد لرهبتهم من المؤمنين ، وقال : وله أن يسترقهم ، فهو كما قالوا : إذا كان الأسير من أهل الكتاب أو من العجم ، فأما عرب عبدة الأوثان فلا يسترقون ؛ لأنا لا نعلم أحدا منهم استرقه النبي لما أسره ، ولم
هامش
( 1 ) كذا وردت هذه العبارة وحدها في الأصل ، والملاحظ حذف الجزء الآخر منها ، وهو - والله أعلم - وإن شاءوا منوا عليهم .
( 2 ) المن : يكون بتخلية سبيل الأسرى بغير عوض .
قال به الشافعية والمالكية في المشهور عنهم والحنابلة ، وذهب الحنفية إلى عدم جوازه .
وقد استدل الجمهور بما يلي :
أولا : قوله تعالىحَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً[ محمد : 4 ] .
أي : بعد الأسر ، إما أن تمنوا عليهم وإما أن تفادوهم ، وهذا بيان من الله وتشريع لما نفعله بالأسرى فيفيد الجواز .
ثانيا : ما رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن جبير بن مطعم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في أسارى بدر : « لو كان المطعم بن عدي حيا وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له » .
وجه الدلالة : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخبر بأن المطعم بن عدي لو كان حيا وطلب إليه إطلاق سراح أسرى بدر بغير عوض لقبل طلبه وأطلقهم ، وإخباره صلى اللّه عليه وسلم صدق لا شك فيه ؛ فيدل على الجواز .
واستدل الحنفية بعموم قوله تعالى :فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ[ التوبة : 5 ] ؛ فهو عام في جميع المشركين ؛ فيدل على وجوب قتلهم عند التمكن منهم .
وأجيب عن ذلك بأن الأمر بالقتل إنما هو في حق غير الأسارى ، بدليل جواز الاسترقاق المتفق عليه ، وبه يعلم أن القتل المأمور به حتما إنما هو بالنسبة لغيرهم .
وقد ورد على الجمهور أن آيةفَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً[ محمد : 4 ] منسوخة بقوله تعالى :فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ[ التوبة : 5 ] ، ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار في أن سورة القتال نزلت قبل سورة التوبة التي هي آخر ما نزل من أحكام القتال ، وقصة بدر سابقة عليها أيضا ؛ فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناسخا لما قبله .
وقد أجاب الجمهور عن ذلك بأن دعوى النسخ ممنوعة ، والحقيقة أن آية القتل عامة في المشركين ، وآية المن والفداء خاصة ، ولا تعارض بين العام والخاص ؛ فالعام يعمل به فيما عدا الخاص ، والراجح ما ذهب إليه الجمهور ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم من على ثمامة بن أثال كما ثبت في الصحيحين ، ومن على أبي العاص بن الربيع كما رواه أبو داود ، ومن على أبي عزة الجمحي وغيرهم ، وبذلك يترجح رأي الجمهور ، وقد وافقهم الكمال بن الهمام من علماء الحنفية في فتح القدير .
ينظر الجهاد لشحاتة محمد شحاتة ص ( 95 - 96 ) .
( 3 ) ينظر : المبسوط ( 10 / 138 ) .