ثم يحتمل قوله :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
قبلكم ، وأما أنتم فقد أحلت لكم الأسارى والغنيمة ، ويدل - أيضا - ما روي من الأخبار والآيات على أنه إذا أثخن في الأرض جاز له الأسر ؛ لأنه لو لم يجز ذلك كما لا يجوز قبل الإثخان في الأرض ، زالت فائدة الخصوص ، وقد بين الله ذلك بقوله :
حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ
[ محمد : 4 ] .
ثم اختلف أهل العلم في فداء الأسارى بالمال « 1 » ؛ قال ابن عباس « 2 » - رضي الله عنه - كان ذلك يوم بدر والمسلمون قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله - تعالى - في
هامش
( 1 ) ذهب جمهور الفقهاء ومعهم أبو يوسف ومحمد من علماء الحنفية إلى جواز الفداء بالأسرى ، وجاء ذلك رواية عن أبي حنفية ، وجاءت عنه رواية أخرى بمنعه .
وأما الفداء بالمال فالجمهور على جوازه ، والمشهور من مذهب الحنفية : عدم الجواز ، وقد جاء في السير الكبير : أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة إليه .
وقد استدل الجمهور بما يأتي :
أولا : قوله تعالى :فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً[ محمد : 4 ] .
وجه الدلالة : أن الآية خيرت الإمام في الأسرى بين المن بغير عوض وبين الفداء ؛ فكانت دليلا على جواز الفداء .
ثانيا : ما رواه الإمام أحمد ومسلم عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل .
واستدل لأبي حنيفة على منع الفداء بالأسرى - وهو الذي جرى عليه المرغيناني من الحنفية والقدوري - بأن في الفداء معونة للمشركين ؛ لأن الأسير بمفاداته يعود حربا على المسلمين ، ولكنه إذا بقي في أيدينا فقد اتقينا شر حرابته ، وذلك خير من استنقاذ الأسير المسلم ؛ لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه غير مضاف إلينا ، ولكن الإعانة بدفع أسيرهم إليهم مضافة إلينا .
وهذا مردود بأن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر والانتفاع به ؛ لأن حرمته عظيمة ، وما ذكر من الضرر الذي يعود علينا بدفع الأسير إليهم يدفعه ظاهرا المسلم الذي يتخلص منهم ؛ لأن الضرر الذي يحصل من الأسير الكافر بدفعه إليهم يدفعه المسلم الذي استخلصناه فيتكافئان ، ثم يزيد لنا فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة ربه كما ينبغي .
ومن هذه المناقشة يتبين لنا أن رأي الجمهور هو الراجح ، ويؤيده أنا إذا علمنا أن الشأن في إمام المسلمين أن يفعل ما فيه مصلحتهم ، ورأى هو الفداء - فلا يصح أن يتطرق إلينا خوف الضرر من الكفار ؛ لأنه لو رأى فيه خوفا مع كونه مخيرا ، لانتقل إلى خصلة أخرى كالقتل أو الاسترقاق .
وبهذه القاعدة نقول : قد يرى الإمام أن المصلحة في الفداء بالمال ، ولم يرد في الشرع ما يمنعه فيجوز له أن يفعل ما يرى ، وبذلك يظهر رجحان مذهب الجمهور في الفداء بالمال أيضا ، وهي رواية السير الكبير .
ينظر : الجهاد لشحاتة محمد شحاتة ص ( 97 - 99 ) .
( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 286 ) ( 16300 ) ، وذكره السيوطي في الدرر ( 3 / 367 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس .