فإن قيل : ما المعنى في قول من قال بالإسلام بقوله :
فَاجْنَحْ لَها
وهو كان يدعو إلى الإسلام ، وهو لا شك أنه كان يقبل منهم الإسلام ؟
قيل : يحتمل أن يكون الأمر بالقبول أمرا بترك المؤاخذة بما كان منهم في حال نقض العهد ؛ لأن من قولنا : أن ما أصابوا في حال العهد من الجراحات والأخذ يتبعون بها ويؤاخذون إذا أسلموا ، وإذا نقضوا العهد ثم أصابوا شيئا من ذلك ثم أسلموا ، لم يؤاخذوا بذلك ، فيحتمل أن يقول له : فاجنح لها ، ولا تؤاخذهم بما كان منهم في حال نقض العهد .
وقال الحسن « 1 » : هذا منسوخ ، نسخه قوله :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . .
الآية [ التوبة : 29 ] .
وقال بعضهم « 2 » نسخه قوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ . . .
الآية [ التوبة : 5 ] .
وقال بعضهم « 3 » : نسخه قوله :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
[ محمد 35 ] .
والوجه فيه ما ذكرنا : أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة نظرا للمسلمين ، أجابهم إلى ذلك وصالحهم ، فإذا طلبوا منه الصلح وبالمسلمين قوة القتال والحرب معهم ، لم يجبهم إلى ذلك ، وما ذكر هؤلاء من نسخه فذلك لا نعرفه ، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 62 إلى 63 ]
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ .
في الصلح ويخونوك .
فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ .
أي : مكنك الله منهم ؛ كقوله :
وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ
[ الأنفال : 71 ] .
[ فأمكن منهم ] « 4 » وإن كان قوله :
فَاجْنَحْ لَها
في الإسلام ، فيكون قوله :
فَإِنَّ
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 278 ) ( 16261 ) .
( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 278 ) ( 16259 ) ( 16260 ) عن قتادة وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 360 ) وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر والنحاس في ناسخه وأبي الشيخ عن قتادة .
( 3 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 360 ) وعزاه لأبي الشيخ عن السدي .
( 4 ) سقط في أ .