وقال أهل اللغة : من قرأ بالنصب : للسلم ، حمله على المصالحة والموادعة ، ومن قرأ « 1 » بالخفض : للسلم ، جعل ذلك في الإسلام .
وتأويله - والله أعلم - : أي : إذا خضعوا للصلح وطلبوه منك فاجنح لهم ، أي : مل إليهم ، ولا يمنعك عن الصلح معهم ما كان منهم من نقض العهد ؛ على ما ذكر في قوله :
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ
، يقول : لا يمنعك عن الصلح إذا طلبوا ذلك ما كان منهم من النقض ونكث العهود .
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ .
ولا تخف خيانتهم ونقضهم العهد ، فإن الله يطلعك ويكفيك على ذلك .
ومنهم من قال : قوله :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
، أي : إذا خضعوا وتواضعوا للإسلام ، فاقبل منهم واخضع لهم ؛ كقوله :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
أمره بخفض الجناح لهم .
ذكر - هاهنا - أنهم إذا طلبوا الصلح منا يلزمنا أن نعطيهم ، وإذا لم يطلبوا منا ذلك لا يحل لنا أن نطلب منهم الصلح ، إلا أن نضطر إلى ذلك ، وهو ما ذكر في آية أخرى ؛ حيث قال :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
[ محمد : 35 ] ، نهانا أن ندعوهم إلى الصلح ولنا قوة وعدة للقتال معهم ، وأما إذا كانوا طلبوا منا ذلك أولا فيجابون إلى ذلك .
ويحتمل ما ذكرنا ، أي : لا يمنعك ما كان منهم من نقض العهد .
وقوله :
فَاجْنَحْ لَها
يحتمل ذكره بالتأنيث « 2 » ، أي : للمسالمة والمصالحة .
وقال بعضهم « 3 » : السلم هو مؤنث ؛ كقول القائل :
السلم تأخذ منا ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
هامش
( 1 ) ينظر المصادر السابقة .
( 2 ) ومن التأنيث قوله :وأقنيت للحرب آلاتها * وأعددت للسلم أوزارهاوقال آخر :السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرعوقيل : أثبت هاء التأنيث ؛ لأنه قصد به الفعلة والجنحة ؛ كقوله :إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ[ الأعراف : 153 ] أراد : من بعد فعلتهم .
وقال الزمخشري : السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب ، وأنشد البيت المتقدم : السلم تأخذ منها . . .
ينظر : البحر ( 4 / 509 ) ، والدر المصون ( 3 / 433 ) ، الخزانة ( 4 / 18 ) ، إصلاح المنطق ( 30 ) ، وتفسير الرازي ( 15 / 187 ) وحاشية الشيخ يس ( 2 / 286 ) .
( 3 ) انظر : تفسير البحر المحيط لأبي حيان ( 4 / 509 ) .