هامش
- فلما دنت من الجبل سمعنا فيها حمحمة وسمعنا فيها فارسا يقول : أقدم حيزوم ، فأما صاحبي فانكشف قناع عليه ، فمات ، وأما أنا فكدت أهلك ، ثم انتعشت بعد ذلك .
وروى محمد بن عمر الأسلمي ، عن أبي رهم الغفاري ، عن ابن عم له قال : بينا أنا وابن عم على ماء ببدر ، فلما رأينا قلة من مع محمد وكثرة قريش قلنا : إذا التقت الفئتان عمدنا إلى عسكر محمد وأصحابه ، فانطلقنا نحو المجنبة اليسرى من أصحابه ، ونحن نقول : هؤلاء ربع قريش ، فبينا نحن نمشي في الميسرة إذ جاءت سحابة فغشيتنا فرفعنا أبصارنا إليها ، فسمعنا أصوات الرجال والسلاح ، وسمعنا رجلا يقول لفرسه : أقدم حيزوم ، وسمعناهم يقولون : رويدا تتامّ أخراكم .
فنزلوا على ميمنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ثم جاءت أخرى مثل ذلك ، فكانت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فإذا هم على الضعف من قريش ، فمات ابن عمي ، وأما أنا فتماسكت ، وأخبرت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأسلمت .
وروى مسلم وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه ، وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم ، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيا ، فنظر إليه هو قد خطم أنفه ، وشق وجهه ، كضربة السوط ، فاخضر ذلك الموضع أجمع ، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : « صدقت ، ذلك مدد من السماء الثالثة » .
وروى ابن إسحاق وإسحاق بن راهويه ، عن ابن أسيد الساعدي أنه قال بعد ما عمي : لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة ، لا أشك فيه ولا أتمارى .
وروى الإمام أحمد والبزار والحاكم برجال الصحيح ، عن علي قال : قيل لي ولأبي بكر يوم بدر ، قيل لأحدنا : معك جبريل ، وقيل للآخر : معك ميكائيل ، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل ، يكون في الصف ، فأسرنا رجلا منهم ، فقلنا : كم أنتم ؟ قال : ألف .
قال : شيخ الإسلام أبو الحسن السبكي - رحمه الله تعالى - سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ببدر ، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه ، فأجبت :
وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فتكون الملائكة مددا ، على عادة مدد الجيوش ؛ رعاية لصورة الأسباب وسننها ، التي أجراها الله تعالى في عباده ، والله تعالى فاعل الأشياء .
وقال في الكشاف في تفسير سورة « يس » في قوله تعالى :وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ[ يس : 28 ] : فإن قلت : فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق ، فقال :فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها[ الأحزاب : 9 ] وقال :بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ،بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ[ آل عمران : 124 ]بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ[ آل عمران : 125 ] - قلت : إنما كان يكفي ملك واحد ، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل ، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة ، ولكن الله تعالى فضل محمدا صلى اللّه عليه وسلم بكل شئ على كبار الأنبياء وأولي العزم من الرسل ، فضلا عن حبيب النجار ، وأولاه من أسباب الكرامة ما لم يؤته أحدا ، فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء ، وكأنه أشار بقوله :وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَإلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك ، وما كنا نفعله لغيرك . ينظر : سبل الهدى والرشاد ( 4 / 60 - 63 ، 124 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 255 ) عن كل من : ابن عباس ( 16144 ، 16149 ) ، مقسم ( 16147 ، 16148 ) ، -