تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 635

مساهمون:

ص٦٣٥
كانوا يحرمون الانتفاع بما ذكرنا ، ويقولون : إن اللّه حرم ذلك علينا ، وهو ما ذكر في آية أخرى قوله - تعالى - :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا
الآية [ الأنعام : 136 ] يحرمون أشياء على أنفسهم ، ويضيفون تحريمها إلى اللّه ، ثم سفه أحلامهم بقوله :
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ
[ الأنعام : 143 ] لم يكن تحريمهم هذه الأشياء بالسمع ، ولكن رأيا منهم وتبحثا ؛ فاحتج اللّه عليهم على ذلك الوجه ؛ ليظهر فساد قولهم من الوجه الذي ادعوا ، فقال :
قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ
[ الأنعام : 143 ] فإن قالوا : الذكرين ، فقد كان من الذكر ما لم يحرم ، وإن قالوا : أنثى ، فقد كان من الأنثى ولم يكن فيها تحريم ؛ ففيه دليل أن الحكم إذا كان بعلة « 1 » يجب وجوب ذلك الحكم ما كانت تلك العلة قائمة ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا . . .
الآية ، كأنها نزلت في مشركي العرب ، وكانوا أهل تقليد ، لا يؤمنون بالرسل ، ولا يقرون بهم ، إنما يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام ، فإذا ما دعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى ما أنزل اللّه إليه ، أو دعاهم أحد إلى ذلك ، قالوا :
حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
، [ كقوله ] « 2 » :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
[ الزخرف : 23 ] ، ونحو ذلك : يقلدون آباءهم في ذلك ؛ فقال اللّه - عزّ وجل - :
أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
، أي : تتبعون آباءكم وتقتدون بهم ، وإن كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئا في أمر الدين ولا يهتدون ، وكذلك قوله :
قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ
[ الزخرف : 24 ] تتبعون آباءكم وتقتدون بهم ، وإن جئتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم ؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم آباءهم ، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل . وقوله - عزّ وجل - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
« 3 » :
هامش
( 1 ) العلة : هي الوصف الجامع بين الأصل والفرع ، وقال أبو محمد بن الجوزي في الإيضاح : العلة : هي حكمة الحكم ، وقد تطلق على مظنته . ينظر : الإيضاح ( 37 ) ، نهاية السول ( 3 / 37 ) ، نشر البنود ( 2 / 29 ) . ( 2 ) سقط من ب . ( 3 ) قال القرطبي ( 6 / 221 ) : قال علماؤنا : وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التحذير مما يجب أن يحذر منه ، وهو حال من تقدمت صفته ممن ركن في دينه إلى تقليد آبائه وأسلافه . وظاهر هذه الآية يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس القيام به بواجب إذا استقام الإنسان ، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ، لولا ما ورد من تفسيرها في السنة وأقاويل الصحابة والتابعين على ما نذكره بحول
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 635 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم