تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
في التأكيد أحرى أن يقبل ؛ كأنه أراد هذا ، واللّه أعلم . ودليل آخر : أن الزكاة لا تجوز أن تؤدى عن الميت إذا لم يوص بها ؛ لأن الزكاة لا تؤدى إلا بنية المزكي ، والنية عمل القلب ، ولا خلاف في أنه لا يصلّى عن الميت ولا يصام عنه ؛ فلما لم يجز أن يقضى عن الميت على الأبدان ، لم يجز أن تقوم نية الورثة في أداء الزكاة مقام نية الميت . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - في قوله - عزّ وجل - :
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ
ظاهره أنه يقدم الوصية على الميراث ، لكن أجمع أن الابتداء به عن حق حد الميراث ، ولكن يوزع ؛ فيخرج التأويل على وجوه : أحدها : أن قوله - تعالى - :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ . . .
إلى قوله :
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ
- كأنه سوى ، أي : سواء مالكم : أن توصوا ، أوصاكم اللّه فيه - بكذا . والثاني : أن يكون
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ
، أي : من بعد ما أوصيتم ، ويكون الميراث بعد الإيصاء . ويحتمل : من بعد أن كان عليكم الإيصاء والدّين - أمركم بالمواريث ؛ فيكون فيه نسخ قوله :
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ
؛ فدلت هذه الآية على حجر « 1 » بعض الوصايا بقوله - عزّ وجل - :
غَيْرَ مُضَارٍّ
، لكن يحتمل أن تكون المضارة تبطل الفضل ، ويحتمل ألا تبطل ؛ كقوله - تعالى - :
وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً
[ البقرة : 231 ] في الرجعة « 2 » على إمضاء الرجعة على ذلك ، لكن الإضرار في الرجعة
هامش
( 1 ) الحجر : مصدر « حجر عليه القاضي » ، يحجر حجرا : إذا منعه من التصرف في ماله . ينظر : لسان العرب ( 2 / 782 ) ( حجر ) . واصطلاحا : عرفه الحنفية بأنه : منع نفاذ تصرف قولي . وعرفه الشافعية بأنه : المنع من التصرفات المالية . وعرفه المالكية بأنه : صفة حكمية توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه فيما زاد على قوته ، كما توجب منعه من نفوذ تصرفه في تبرع بزائد على ثلث ماله . وعرف الحنابلة بأنه : منع الإنسان من التصرف في ماله . ينظر : حاشية ابن عابدين ( 5 / 89 ) ، مجمع الأنهر : ( 2 / 437 ) ، المهذب للشيرازي ( 1 / 328 ) ، نهاية المحتاج ( 4 / 353 ) ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : ( 3 / 292 ) ، أسهل المدارك ( 3 / 3 ) ، كشاف القناع ( 3 / 416 - 417 ) . ( 2 ) رجعة بفتح الراء وكسرها ، والفتح أفصح والمراجعة : المعادة ، يقال : راجعه الكلام وراجع امرأته ، فهي لغة المرّة من الرجوع . عرفها الحنفية : استدامة الملك القائم في العدة ، برد الزوجة إلى زوجها ، وإعادتها إلى حالتها الأولى . ينظر : البحر الرائق ( 4 / 54 ) فتح القدير ( 4 / 159 ) .