تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
مقصود ، وفي هذا مفضول ، فيمكن التفريق بين الأمرين ، فقال - عزّ وجل - :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ . . .
الآيتين ، وأوعد جهنم على تعدي [ هذه الحدود ] « 1 » ، وفي ذلك لا يحتمل مع جواز الفضل ، وأيّد ذلك قوله :
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ . . .
الآية ، ولو كان يجوز لكان لا يملك معه الإصلاح ؛ فثبت أن من الوصايا ما يبطل مع ما كان اللّه ذكر في المواريث :
فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ
؛ فلا يملك إبطال فريضة اللّه ، وبالإذن منه يجوز فعله ؛ لذلك يبطل بعض وصاياه . والأصل في ذلك أن الأموال أنشئت للأحياء ؛ وخلقت لمنافع الأحياء ، فكأنهم ملكوا منافعها إلى انقضاء آجالهم ، ثم صارت إلى من به ملكوها « 2 » ، يجعلها لمن يشاء ، ويضعها عند من يشاء . وقد بين - عزّ وجل - أنها : لمن ، ومن أحق بها ؛ فصار الموصي كأنه أوصى بحقّ من بين أن محقّه فيه غيره ، فإن تفضل اللّه عليه في ذلك من شيء ، وإلا فذلك كسائر الأملاك التي بينت أربابها ، لم يكن لغيرهم فيها حق إلا بجعل اللّه أو جعل من له ؛ فعلى ذلك هذا قد جاء عن اللّه بيان هذه بعد أن بينت هذه الآيات جعل الحق له إلى الثلث ، فذلك له صدقة من اللّه - تعالى - وفي الفضل إن أجاز المجعول له جاز ، وإلا لا ، واللّه أعلم . فجعلت للوصية حدّا ، ولم تجعل للدين ؛ لأن الدين مما يتصل بحوائجه في حال حياته ؛ إذ هو يلزم بالأسباب التي بها معاشه وغذاؤه ؛ فصار مقدما على المتروك في الحكم ، وإنما جعلت المواريث في المتروك مع ما كان الغرماء أحق بملكه في حياته بعجزه عن كثير من المعروف في مرضه بهم ، فلو « 3 » لم يكن لهم الحق لامتنعوا من المداينات إلا بوثائق يكونون هم أحق بها بعد الوفاة من الورثة ، أو يمتنعون من المداينات ، وفي ذلك تقصير القوت والأغذية عن مضى الأجل ، وهو به مأمور ؛ فجعلت الديون كأنها استحقت الإملاك في حال الحياة ؛ فلم تجىء منهم التركة ، وليس كالعبادات ؛ لأنها تجب في الفضول عن الحاجات ، والديون في الأصول ، فليست العبادات بالتي تمنع الوفاء بالآجال ولا كان بأربابها إليها تلك الضرورات ؛ فإنما هي بحق القرب ، وهي عمل الأحياء ، فإذا ماتوا زال الإمكان ، وجرت في الأموال المواريث ، وكذا المعروف من الدين المذكور في القرآن من قوله - عزّ وجل - :
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها
هامش
( 1 ) في ب : هذا الحد . ( 2 ) في ب : ملوكها . ( 3 ) في ب : ولو .