تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
أَوْ دَيْنٍ
- أن العبادات لا توصف بالديون ، ولا تفهم من إطلاق القول بالديون ؛ فصارت بمعنى الفضل عن الوصايا والديون إلى أن يؤجل ، وهو الحقيقة ؛ ألا يكون للمولى على عبده دين ؛ فيكون المذكور دينا في الأفعال ؛ كما ذكرت العدات دينا في الأخلاق ، لا في حقيقة الذمم ، مع ما كانت هي للّه ، وقد جعل اللّه له فريضة لأقوام « 1 » بأعيانهم ، لا تمنع عنهم إلا بالوصية ، كما جعل للموصى . وعلى أن العبادات لا تقوم إلا بالبينات ، ولا تؤدى عن أحد في حياته إلا بأمره ، وإن احتمل قيام بعض منها عن بعض ، وسائر الديون تجوز دونه ؛ فعلى ذلك بعد الوفاة ، وإن كان كل ما يؤدى به فهو الذي حدّت به الوصية ، وقد جاء الحد لها مع ما كانت العبادات لا تحتمل لحوق الأموات ولا الإيجاب عليهم في أموالهم ، ثبت أنها حقوق الحياة خاصة ، والديون تحتمل ، فهي حقوقهم في الحالين . ثم قد ذكر في الدين
غَيْرَ مُضَارٍّ
؛ بل الدين أقرب إلى حرف الثنيا ، ومعلوم أنه لا يقع منه في الديون الظاهرة المعلومة مضارة بالورثة إن كان يقع ، يقع في الغرماء ؛ إذ يؤخذ منه بلا إيصاء ، ولا يحتمل النهي من حيث الغرماء ؛ لما فيه إلزام المكاسب في أوقات العجز لقضاء الديون ؛ فثبت أن ذلك فيما لا يعرف من الديون ؛ وإنما يرجع فيها إلى قوله ؛ فبطل بالذي ذكرته جواز إقراره على كل حال لكل أحد ؛ إذ لا ضرر يقع من حيث فعله فيرد ، وقد بينا أن المضارة في هذا تمنع الجواز ؛ فثبت أن من الإقرار ما لا يجوز ، فقال أصحابنا - رحمهم اللّه - : لا يجوز إقراره لبعض الورثة وقت الإياس « 2 » من نفسه ؛ لأنه
هامش
( 1 ) في ب : الأقوام . ( 2 ) لا يجوز إقرار المريض لوارثه بدين أو عين ، سواء أقر له منفردا أو له ولأجنبي معه - إلا بإجازة الورثة ؛ لحديث : « لا وصية لوارث » ، وهو يدل على نفس الإقرار بالطريق الأولى ؛ لأن الموصي له يأخذ ثلث المال ، أما المقر له فإنه يأخذ المال كله ، ومنع الأقل يدل على منع الأكثر بالطريق الأولى . ولما روي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - أنهما قالا : ( إذا أقر المريض لوارثه - لم يجز ، وإذا أقر لأجنبي جاز ) ، وفي رواية أن ابن عمر قال : « وإذا أقر الرجل في مرضه لرجل غير وارث - فإنه جائز ، وإن أحاط ذلك بماله . وإن أقر لوارث فهو باطل ، إلا أن يصدقه الورثة » . وقول الواحد من فقهاء الصحابة مقدم على القياس . . . ويقال إن أحدا من الصحابة لم يخالف في ذلك ؛ فكان إجماعا . . ولأن المريض متهم في هذا الإقرار ؛ إذ هو لوارث ، ويجوز أنه أراد إيثار بعض ؛ ورثته على بعض استجابة لميل طبيعي ، أو بسبب عمله معه استوجب منه ذلك ؛ فأراد تنفيذ غرضه : عن طريق الإقرار من غير أن يكون عليه دين للوارث المقر له في الواقع ؛ فلا ينبغي مساعدته على تنفيذ غرضه الذي يترتب عليه الإضرار بباقي الورثة . ينظر : المبسوط ( 18 / 24 ) ، بدائع الصنائع ( 7 / 226 ) ، المغني لابن قدامة ( 5 / 126 ) ، أسنى المطالب ( 2 / 290 ) ، المدونة ( 4 / 66 ) .